بعد هذه الطرر النيرة، والفصول الدامغة، التي هي كفيلة بإقناع من يتحلى بالإنصاف، ويتجنب الشغب والاعتساف، أن أبا البيض يتأرجح أمره بين الكفر والجحود، والفسق والضلال، ويعجبني في هذا الصدد مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه وطيب ثراه، وهو الإمساك عن الجزم بالتكفير للجهل بمصير المردود عليه، فلعله يُوفق للتوبة والإيمان في آخر عمره، ولا ندري بماذا ختم له، وإن كانت هناك أمارات تدل على سوء خاتمة أبي البيض، وأمره إلى الله، فالصواب الحكم على الأعمال والأقوال الثابتة مع محاولة التجرد والحياد، وعدم التأثر بالهوى والعاطفة.
ويعلم الله تعالى أنني بذلت جهدي في التحري والاحتياط، والبحث والمقارنة والدرس، وأنا أعلم أنني لم أستوعب، لأن أبا البيض كان ذا جلد كبير على الكتابة، فرسائله لأصحابه ومن يسأله تعد بالمآت؛ بل سمعت أن رسالاته لشقيقه عبد العزيز فقط بلغت ألفا، وليست -بلاشك- كلها علمية، ثم إنني أسجل هنا أنني كنت أقدّم رِجلا وأؤخر أخرى في كتابتها وتتبعها لعدم استطاعتي القيام بطبعها، فلا معنى لكتابة شيء وتركه على الرّف كما حصل لي في الرد على الكرفطي في مسألة رؤيا الله في المنام الذي لم ير النور إلا بعد أربعين سنة بينما أبو الفتوح يجمع من (فتوح) الأنعام ما يمكنه من الطبع، وهؤلاء من رواد الزاوية، وأنا أصرح في خطبي الجمعية ودروسي وكتاباتي أن المقهى إذا كان خاليا من الخمر والقمار، أفضل وأزكى من الزاوية، وقد انتقدني بعضهم في تطوان لما سمع مني هذا فلما ذاكرني أقنعته فوافقني، وهذا واضح لأن المقهى ليس فيها إلا شراب العصائر والشاي والحديث الخاص بين الناس، والزاوية كمسجد الضرار بنيت للبدعة ونصرتها، وهي خاصة بحزب دون حزب، وتكون في الغالب مقبرة أو مشتملة على قبر يُعبد من دون الله، وتقام فيها طقوس يبرأ منها الإسلام كالرقص اليهودي والسماع الذي يمجد وحدة الوجود وأصحابها، ثم إن أبا الفتوح إليه يرجع أمر إحياء هذه الفواقر بسبب ما قام به من تشجيع زعنان زُحار البريجي الكُونْطَبْلي المحدث المؤلف المخربق على سبي وشتمي، وأوحى إليه بكل ما يتعلق بذلك، مع تبرعه بطبع كتابه المردود عليه، وذلك لحاجة في نفس يعقوب، وقد ساورني هذا الخاطر قديما حينما كان أبو الفتوح يقوم بالنميمة بين أبي البيض وإخوته، ويبذل في ذلك أقصى جهده تنفيذا لوصية أبي البيض التي أبان فيها عن حقد أسود، وبغض فريد، لا أعرف مثله في أرباب زوايا المغرب ومشايخ طرقه، وكان أبو الفتوح يعلم ما تفعله رسائله في نفس شيخه وهو مريض جدا، والأطباء ينصحونه بعدم الانفعال لما فيه من الخطر عليه، وقد سبق أنني سمعت إبراهيم أصغر إخوة أبي البيض وكان يلازمه يذكر أن أخاه كان يتماثل للشفاء فإذا وصلت رسالة أبي الفتوح انتكست صحته، وأشرف على الموت، كما أخبرني أنه تبرم في شهوره الأخيرة من