الفصل العشرون
وقيعته في كثير من علماء الحديث، والسلف الصالح، ولا سيما
شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته وأنصاره، وتنفيره المسلمين من كتبهم، وأنها وحدها سبب الضلال!؟
إن أمر هذا الرجل -أبي البيض- لَجِدُّ غريب، فقد انفرد بين من عرفنا من العلماء قديما وحديثا بنفسية معقدة، وعقلية خرافية مضطربة، لا تستقر على حال، وهو في نقده للعلماء والرواة أسير هوى جامح، لا يكاد يسلم منه، فهو يتناول بنقده الجارح ونقمته الصارمة البلاد، والمذاهب، والطوائف والأفراد، خصوصا الشام ونجدا والمغرب، فلا تكاد تذكر هذه البلاد حتى تثور ثائرته، وربما فقد صوابه، فأعلن بالشتائم البليغة ضاربا ما ورد في فضائل الشام من الأحاديث الكثيرة عُرض الحائط زاعمًا أنها كلها مختلقة مضطربة بأمر معاوية الكافر المنافق، وما ذاك إلا لأن الشام مباءة النواصب أعداء الله تعالى ورسوله وأهل بيته، وأن هذا العداء يجري في عروقهم، ويتخلل طبائعهم فلا يمكنهم الانفكاك عنه، وهو في كل هذا يغض الطرف عن المآت بل الآلاف من أهل العلم ورواة الحديث وأئمة الفقه، وفيهم من حفاظ الحديث والآثار من لا يأتي الزمان بمثلهم، كما يُعلم من كتب التراجم والطبقات، وهذا تاريخ ابن عساكر وهو يناهز المائة مجلد ضم جمهرة كبرى من الأحاديث المروية بأسانيد الشاميين بحيث لا توجد عند غيرهم، فهل نرمي بهذه الأحاديث والآثار ونجرح رواتها من زمن الصحابة إلى هلم جرًا، لا لشيء إلا لأنهم نواصب أعداء آل البيت ومبغضو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومبغضوه منافقون كما في الحديث، ولا يستنكر في هذه الحال الحكم على الضمائر والنيات، والهوى غلاب كما قيل.
أما إذا بلغ الأمر إلى المقادسة سكان صالحية دمشق، وفيهم بنو قُدامة، وهم أساطين المذهب الحنبلي، وحفاظ الحديث ورواته، فإن أبا البيض سُرعان ما يكفهر جَوُّه، ويقيم صحوه، ويستوفز للوقيعة والنزال، فلا تسل عن الولوغ في الأعراض، لشفاء الغيظ وتحقيق الأغراض، ولا يعف الشيخ حتى عن الإمام الصابر المجاهد أحمد بن حنبل فقد رماه بالنصب والبلادة، وأنه يؤمن بالبعض ويكفر بالبعض.
و إذا دنا الزمان إلى القرن الثامن، وفيه أنبتت تربة الشام الخصبة المباركة: نجوم الهدى، ومصابيح الوجود، الذين حفظ الله بهم البلاد والعباد، وقاوموا ظلام الانحراف الكثيف المتمثل في التصوف الباطني الفلسفي الأجنبي عن الإسلام، وكان مَدَّ رواقه على العالم الإسلامي بسبب جهل الأمراء والعلماء ونفاقهم، فنبغ شيخ الإسلام، مفتي الأنام، ومصباح الظلام،