-أما مسألة إنكار أبي البيض للقياس فهي ثابتة عنه صرح بها في غير مناسبة [1] ، ومن ذلك قوله في رسالة إلى أبي الفتوح دون تاريخ: ... وقوله تعالى: (فلا تضربوا لله الأمثال) يدل على منع القياس، كما قال ابن حزم، لأن الأمثال هي الأشباه كما شبه الكفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالساحر والشاعر، (و قال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورًا، انظر كيف ضربوا لك الأمثال .. ) والقياس هو تشبيه حكم بحكم ..
وقال في رسالة أخرى له دون تاريخ بعد أن أطال في إبطال التعليل، وما يسمى الآن مقاصد التشريع: هذا كله عندنا باطل لا أصل له، وتخمين مجرد، والعلة في التشريع لا يعرفها إلا الشارع، ما لم ينص عليها أو تكون لا خفاء بها، والقياس ومسالك العلة من ذلك النوع.
ولأبي البيض كلام طويل في إبطال القياس أورده تلميذه أبو الفتوح من كلامه في"در الغمام الرقيق" [2] ، وهو طويل صريح في الإبطال والسخرية من القائسين، والرد على ابن حزم طريقته في إبطال القياس. والصواب أن ذلك ليس من القياس، وإنما هو من فحوى النص.
ولا نعلم اليوم من يقول بقول أبي البيض دون أن يعرفه إلا الشيخ مقبل الوادعي اليمني، فإنه يصرح بذلك في كتبه مرارًا، والحق -إن شاء الله- أن القياس المستوفي للشروط واقع لا بد منه، ووقع اتفاق المحققين من علماء الأصول عليه إلا من شذ من الظاهرية ونحوهم، وقد اضطر ابن حزم رحمه الله على شدته في إنكار القياس والتعليل إلى ارتكابه بدعوى أنه فحوى النص لا القياس، فيكون الخلاف لفظيا، أما القياس الخفي مع استنباط العلة بتكلف وتمحل فهذا هو الجدير بالإنكار والرد، ومن الجدير بالذكر أن الناصح ابن الحنبلي رحمه الله ألف كتابا جيدا في"أقيسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم"أبلغها إلى مائتي مسألة، استعمل فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم القياس الواضح، بحيث لو وقف عليه طالب الحق المنصف لجزم بصحة القياس ووقوعه في الفقه الإسلامي، والله الموفق.
(1) انظر جؤنة العطار 2/ 196، التي قال فيها: القياس باطل في كل شيء.
(2) در الغمام الرقيق 26.