الفصل الخامس
قوله بجواز؛ بل واستحباب الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، بله التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقد استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم وهتف باسمه وحده، وبعده مباشرة لفظ نفسه الأخير.
مسألة التوسل إلى الله بالأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم فيما لا يدخل تحت مقدرة العباد من المسائل التي قتلت بحثا ودرسا. وألفت فيها سلبا وإيجابا عشرات الكتب والرسائل، وأول من توجه إليها بجد، وأفاض في بيان غوائلها وتفاصيلها شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه، وألف فيها (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) ، كما ألف في الاستغاثة رسائل، وكتب فيها فتاوى، وجاء بعده وبعد تلاميذه إمام الدعوة ومجدد رسوم التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي وأبناؤه وأحفاده، فتصدى للخرافيين من الصوفية ومقلدة الفقهاء الذين أجازوا التوسل والاستغاثة مطلقا.
وكان منهم بطبيعة الحال المغاربة، فإن فقهاءهم وصوفيتهم كانوا غارقين في هذا الوحل إلى الأذقان، بل لم يكن استنكار ذلك يخطر على بال، إلى أن أرسل إليهم الإمام محمد بن سعود رسائل يدعوهم فيها إلى تجريد التوحيد، وتحقيق العقيدة، فأفاقوا وكأنهم كانوا في نوم أهل الكهف. واختلف فقهاؤهم في الرد عليه، فمنهم من أيد الدعوة وأثنى عليها ومدح إمامها كالشيخ حمدون ابن الحاج، ولكنه سرعان ما نكص على عقبيه، ويظهر أن السبب بيئة المغرب المبنية على الجهل والخرافة، وانعدام الشجاعة الأدبية، والجهل بالحديث والآثار وفهمها على منهج السلف الصالح، لا الخلف الطالح.
و مثل هذا بالضبط وقع لفقهاء الزيتونة بتونس فقد رد على الأمير السعودي الشيخ سالم بوحاجب، والشيخ إسماعيل التميمي، وردودهما تنادي عليهما بالجهل بالتوحيد الحق. والإغراق في التقليد والتعصب، وظل الأمر كذلك إلى أن ظهر بالمغرب الشيخ عبد الله السنوسي الفاسي، فأعلن بالدعوة السلفية، واشتهر بذلك، وألقى دروسا بالقرويين وطنجة وغيرهما، حمل فيها على عقيدة الأشاعرة، والطرق الصوفية والتقليد الأعمى في الأصول والفروع، وعقدت معه مجالس للمناظرة بمحضر السلطان كان له الشفوف فيها عليهم، فقربه الملك عبد العزيز وحماه منهم، وقام بشؤونه.
وكان للرجل رحلات وولع بالتجول واقتنى كتبا لنفسه، وعرف قيمة آثار ابن تيمية وابن القيم والذهبي وأقرانهم من علماء السلف، فعكف عليها واستبطنها حافظا واعيا داعيا إليها بيد أنه مع الأسف لم يؤلف شيئا فيما نعلم.