فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 164

الفصل السابع عشر

استحبابه الرقص اليهودي أثناء ما يسمونه: الذكر والحضرة والعمارة، والتي تنشد أثناءها أشعار الاتحاد والحلول والوحدة على نغمات المزامير ونقر الطبول، وبأصوات المُردان، واستحبابه لسجود المريدين له، لتقبيل قدميه، وهي فاقرة موروثة عن مشايخ الطرق، مع حمل السبحة الوثنية في الأعناق

استحباب أبي البيض للرقص المسمى بالمغرب (العمارة) ، وهو عام في الطرق الصوفية بالمغرب وغيره إلا الطريقة الناصرية، فإني لا أعرفهم يرقصون، وأبلغهم في باب الرقص، وهم أهل طريقة (دَرْقاوة) أتباع العربي الدرقاوي، وهم شعب وطرائق، وقد اتفقت كلمة المؤرخين المحققين أن هذا الرقص من طقوس اليهودية إلى الآن، فقد ألف دكتور عراقي كتابا كبيرًا في اليهود (الحَسِديمْ) وذكر من أعمالهم الدينية الرقص والسماع، وأتى بنصوص من التوراة وغيرها على ذلك، والطريف أنه نشر صورا لأحبار اليهود (الحَسِديمْ) وهم يرقصون متحلقين بلحاهم وظفائرهم آخذين بيد بعضهم، وفيهم من يغني لهم بأشعارهم، وهذا يؤكد ما ذهب إليه الإمام القرطبي في تفسير سورة طه من كتابه"الجامع لأحكام القرآن"في قصة السامري، وأنه اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حوله تعبدًا وشكرًا، ونقل هناك تصريحا لأبي بكر الطرطوشي أن الرقص من دين اليهود، وقد ألف كثير من العلماء رسائل في الرد على الصوفية الرقصة، وأن الرقص غريب عن الإسلام، وبالتالي فإنه حرام لا يجوز بحال لأنه تشبه باليهود فيما هو خاص بدينهم، منهم صاحب"الرهص والوقص لمستحل الرقص"لبرهان الدين الحلبي، ومحمد المنبجي في رسالته، وهما مطبوعان.

و كذلك السبحة ثبت في البحث التاريخي أن أصلها وثني، وما زالت إلى الآن من شعار البوذيين والبراهمة والنصارى، ونحن نراهم متقلدينها وفي أيديهم في الفضائيات، وقد أجاد العلامة المحقق بكر عبد الله أبو زيد القضاعي في رسالته الماتعة (السُّبحة) فذكر تاريخها وإشكالها وكيف دخلت على المسلمين، وغلا فيها الصوفية المتأخرون حتى جعلوها شعار الذكر، وألف فتح الله بناني الرباطي (شيخ أبي البيض) كتابا فيها سماه"تحفة أهل الفتوحات والأذواق، في اتخاذ السبحة وجعلها في الأعناق"أتى فيه من أنواع الخرافات والدجل، ما يشي بأن الرجل يكيد للإسلام، ويحارب السنة، وقد شاهدت مرارًا أبا البيض يرقص في زاويتهم بطنجة على نغمات المزامير، وأناشيد المسمعين، وهي كلها تدور على أشعار عمر بن الفارض وأبي الحسن الششتَري ومحمد الحراق ونحوهم، وهي السمّ الزّعاف لحمتها وسداها: وحدة الوجود، والاتحاد، والحلول، والدعوة إلى ذلك، كما شاهدت مثل ذلك في زاوية الحراق بتطوان، وبين الفينة والأخرى يتهافت أحدهم على رجلي الشيخ يقبلها ويُمَرِّغ خديْه عليهما، وقد يمكث ساجدًا عليهما مدة؛ بل رأيت بعضهم يُقبل مجلس الشيخ ويبكي بحُرقة في غيبته، ومن الجدير بالذكر أن إمام العارفين الكبريت الأحمر، والشيخ الأكبر، قدوة أبي البيض وإخوته وقبيله: محمد بن علي ابن العربي الحاتمي المرسي، ذكر في كتابه"رسالة القدس"وهي مطبوعة بدمشق قديما قصة مُفادها باختصار: أنه حضر حفلًا للصوفية في دار أحدهم بإشبيلية بالأندلس، وكان جالسا بجنبه رجل أعمى من الأولياء عنده، وأن الفقراء جلسوا في حلقة يذكرون ويتناشدون الأشعار، فقال له الأعمى: ها الشيطان الساعة دخل من الباب في صورة عنز، وأنه أخذ يدنو من الفقراء ويشمهم وينتقل، ويصف الولي الأعمى الفقير وشكله ولباسه، وابن العربي يعجب من قوله لصدقه، إلى أن وصل إلى فقير وصفه الأعمى، وأطال الشيطان الوقوف عنده وشمّه، ثم قال: ها هو نطحه، فبمجرد ما قال ذلك، صاح الفقير وتواجد وقام يرقص. وقد أشار إلى ذلك أبو العباس أحمد زروق في كتابه"عُدة المريد الصادق"وهو مطبوع، وكنت أحتج على الصوفية بهذه القصة، وردّ الشيخ زروق لبدعة الرقص [1] ، وهما من أقطاب الصوفية وكبارهم، فلم أجد عندهم ما يردون إلا قولهم: (إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) . وسمعت صوفيا يروي بسنده إلى الشيخ محمد الحراق أنه سُئل عن الرقص، وكان شديد الولع به، فقال: هذا شيء أوصانا عليه أشياخنا، لا نتركه ولو طارت عليه أمخاخنا. وقد سبق النقل عن الشيخ الزمزمي في كتابه (الزاوية) روايته عن شقيقه أبي البيض أنه رقص وتواجد بالزاوية حتى خلع جلابته (و هي لا تساوي بصلة على حد تعبير الشيخ محمد الزمزمي) ، فبيعت بالدلالة بخمسمائة ريال فضي، اشترى بها أبو البيض دُويرتين.

و هذا البلاء قديم، فقد رأيت الضياء المقدسي صاحب (الأحاديث المختارة) وهو من أهل القرن السادس والسابع عقد في رسالته النافعة"اتباع السنن واجتناب البدع"وهي مطبوعة بابًا لما يكره من الرقص ونحوه، أورد فيه آثارًا وأخبارًا منها ما هو مشهور كقول الشافعي رحمه الله: (تركت بالعراق شيئا يسمونه: التغبير، وضعته الزنادقة، يشغلون به الناس عن القرآن) . والتغبير تهليل وترجيع صوت، وهو: السماع. وقد سئل الإمام أحمد عنه وقيل له: إنه يرق عليه القلب؟ فقال: هو بدعة. وروى الضياء عن أبي الحارث الأولاسي

(1) قال زروق رحمه الله: فصل في السماع والاجتماع: وهو ما تسرع إليه نفوس الجاهلين، وتولع به قلوب الغافلين، وتؤثره توجهات البطالين، وينتفع به ضعفاء المشرفين، وتقف معه حقائق المجانين، وترتاح إليه أكباد المفتونين .... ونقل عن أبي الحسن الشاذلي أنه قال:"سألت أستاذي رحمه الله عن السماع، فأجابني بقوله تعالى: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين، فهم على آثارهم يهرعون) . الشيخ أحمد زروق وآراؤه الإصلاحية. تحقيق ودراسة لكتابه"عدة المريد الصادق". إدريس العزوزي. 536 - 539."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت