الفصل الرابع
قوله بجواز رؤية الله تعالى يقظة ومناما في الدنيا وادعاؤه ذلك
مسألة رؤية الله تعالى يقظة فاقرة من فواقر الدهر التي لا علاج لها إلا السيف، لأن الأنبياء والمرسلين وسيدهم وأفضلهم سيدنا محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام لم تحصل لهم، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ يعني في المعراج فأجاب (نور أنى أراه) ، وهو صحيح لا غبار عليه [1] ، وقد ورد تفسير قوله: (رأيت نورا) بأنه حجاب العظمة، وهذا كلام فصل قاطع للنزاع، وقد حرره بأسلوب علمي متين الإمام ابن أبي العز في شرح الطحاوية، وهذا كليم الله موسى بن عمران عليه السلام، طلب رؤية الله عندما كلمه في الطور، فقال: (رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا، فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول العابدين) ، فهذه الرؤية البصرية لم تحصل للمرسلين حتى كليم الله، وسيد الخلق، رغم سؤال موسى لها، فكيف يجرؤ من يدعي الصلاح والولاية على ادعائها (سبحانك هذا بهتان عظيم) .
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال من حديث: ( .. واعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه في الدنيا) .
قال البربهاري في شرح السنة: (من زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر بالله عز وجل) .
ورغم آية القرآن، اقتحم سلطان العاشقين! عمر ابن الفارض المصري، وصارح ربه قائلا:
وإذا سألتك أن أراك حقيقة ... فاسمح، ولا تجعل جوابي لن ترى
فانظر يا أخي هداني الله وإياك، إلى هذا الاستخفاف بالربوبية، والاستهزاء بعظمة الألوهية، الذي كان من نتائجه تكاثر المدعين الدجاجلة، فيحكى عن أبي يزيد البسطامي وأبي سعيد الخراز والحلاج وغيرهم، ما إن ثبت عنهم صح الحكم بردتهم وكفرهم.
(1) رواه مسلم 261.