وإذا بلغتَ إلى ابن العربي في الفتوحات، رأيتَ العجائب من هذه الفضائح الكفرية، فلا غرو أن يدلي بدلوه في غياب حكم الشريعة، وشيوع الفوضى والإلحاد، وإغماد سيف الحق، أبو العسر، فيزعم أنه رأى الله تعالى يقظة لا مناما، وكيف لا وتلميذه الرقيع أبو الفتوح زعم أن الله ـ سبحانه وتعالى عما يقول الأفاكون علوا كبيرا ـ تشكل في صورته، فرآه بعض براذينه، وهذا كفر ما بعده كفر، ونستغفر الله من حكايته، وحاكي الكفر ليس بكافر، وليته طوى البلاء على ما فيه، بل كتب به إلى أبي البيض، وزعم أنه أقره، وعبر له الرؤيا بالموافقة، ولم يأت بكلام شيخه بنصه لحاجة في نفسه، حتى نشره هو في كتابه (در الغمام) ونصه [1] : (والذي رأى الله في صورتك حق، لأنه لم ير الله تعالى، وإنما رأى الرب بدليل قوله لك: يا رب اغفر لي، ولم يقل: يا ألله، والرب هو السيد، وهو المعلم، فأنت معلمه وسيده) .
وهذا الهذيان مقبول في الجملة بخلاف كلام أبي الفتوح الموهم ما لا يجوز، ثم إن ادعاء رؤية الله يقظة إن جرت على مذهب أهل الاتحاد والوحدة، جازت عندهم لأن الله تعالى عندهم كل شيء، فكل ما تراه من حسن وقبيح هو الله، ألم تسمع غلاتهم كابن سبعين والتلمساني وابن العربي يقولون: (ليس إلا الله) ، حتى سُمُّوا: (اللَّيْسِية) [2] . وكان منهم من إذا سمع نهيق الحمار يقول: لبيك.
وقد قال ابن العربي: [الطويل]
وما الكلب والخنزير إلا إلاهنا ... وما الله إلا راهب في كنيسة
كما أن كل كلام في الوجود حسنا كان أو قبيحا، أو مجونا أو كفرا، أو ردة أو ضلالا أو سخفا، نظما كان أو نثرا، فهو كلام الله تعالى، وتقدس ربنا عن هذا الكفر المبين.
كما قال ابن العربي: [الطويل]
وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه
ولما ادعى أبو الفتوح هذا المسخ في مبشراته بالنار، استنكرته بلساني فبلغه إنكاري، وكان يومئذ في أوج سُعاره بُعَيْد وفاة أبي البيض، وهو بصدد بناء الزاوية وجمع الأنعام حوله.
(1) در الغمام الرقيق 149.
(2) انظر جامع رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية: الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل. 39.