الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، النافين عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
أما بعد:
فقد عرفت شيخي المحدث الحافظ، المؤلف المكثر، الصوفي الاتحادي المتشيع، المكنى أبا الفيض، والملقب شهاب الدين، أحمد بن محمد بن (ج) الصديق بن أحمد بن عبد المؤمن الغُماري المنصوري التجكاني أصلا، السعيدي مولدا، الطنجي منشأ، القاهري وفاة، المولود سنة 1320 هـ، والمتوفى مُغَرّبًا عام 1380 هـ.
عرفته بطنجة في سن المراهقة حيث كنت أذهب مع والِدي كل شهر شوال لحضور ذكرى وفاة والِدِه شيخ الطريقة الدرقاوية بطنجة، وكانت هذه الذكرى موعد موسم حافل بالبدع والمنكرات والفضائح؛ حيث يقوم سكان أغلب الأحياء بطنجة بإقامة موكب يخرج من الحي بالأعلام والطُبول حاملين الهدايا لضريح الشيخ الواقع بحومة (أمراح) فلا تسل عن الاختلاط وصياح السكارى والهتاف باسم الشيخ، وبعد وصول الموكب إلى الزاوية يخرج الشيخ أحمد من حجرته التي يستقبل فيها الضيوف القادمين من فاس وتطوان والقصر الكبير والبادية، ويترأس حلقة الرقص الذي يسمى"الذْكِر"!!، وكم مرة رأيته واقفا في المحراب بقامته وعمامته السوداء وهو يحرك رأسه، والقوّالون ينشدون كلام القوم، والهمج والرعاع من السكارى وأشباههم يرقصون، ثم يرفع الشيخ سبَّابته إيذانا بانتهاء الحضرة ويدخل حجرته فيتبعه وفد الحي ويقبلون يده ويقدمون له الهدية، وغالبا ما تكون نقودا ورقية، ومن سخافة أغلب هؤلاء السكان أنهم يلصقون هذه الأوراق على ألواح للتشهير والتنافس، فإذا وصلوا إلى الزاوية قلعوها وقدموها للشيخ أحمد فيدعو لهم وينصرفون، وهكذا ينقضي اليوم إلى المساء، وأذكر أنه في أحد المواسم صنعوا للقبر صندوقا خشبيا كبيرا له باب، ونصبوه على القبر، وما زال إلى الآن، ومن أعجب ما وقع في بعض المرات مشاركة جوق الموسيقى العصري برئاسة بعض مريدي الشيخ من تطوان، فتصدح بين الحين والحين أنغام الموسيقى من الآلات الرّومية من شباب فاجر، وقد أمر الشيخ أن تخصص لهم الدكّة التي عن يسار باب الزاوية، فهل سمعت بمنكر يضاهي هذا؟