و بعد وفاة والدي كانت مبادرة طيبة من الشيخ حيث بعث إليَّ من طنجة عام 1368 هـ بكتابه المفيد النافع"المثنوني (هكذا، والصواب: المُثْوي) والبتار، في نحر العنيد المعثار الطاعن فيما صح من السنن والآثار"، وهو رد على رسالة الشيخ محمد الخضر الشنقيطي المسماة"إبرام النقض، لما قيل من أرجحية القبض"وهي مطبوعة بمصر كالرد عليها، وكتب على طرته: هدية من مؤلفه إلى الشريف الجليل، السني الأثري، سيدي محمد بن الأمين بوخبزة حفظه الله، وذلك في منتصف شوال عام 1368 هـ أحمد بن الصديق.
و قد أكبرت هذه اليد من الشيخ، وبادرت بالكتابة إلى الشيخ أشكر له هديته، وأتودد إليه، شارحا له عواطفي الصادقة نحوه، راغبا في الاستفادة من علمه والأخذ عنه، فأجابني بالترحاب وبالغ في مدح خطي وإعجابه به وبإسلوبي على صغر سني، ثم توطدت الصلة بيننا، وواصلت زيارتي له بطنجة والكتابة إليه في كل ما يعن لي، وما كان يبخل عليَّ بطول المحاورة والمراجعة حتى تجمعت لدي من رسائله وأجوبته ما يفوق المائة، وفيها ما يملأ ست صفحات بخطه الدقيق، وقد كان عبد الله الكرفطي المدعو التليدي استعارها مني ليستفيد منها في تأليف كتاب عن حياة الشيخ بُعيد وفاته؛ حيث أزمع الرأي على دعوى المشيخة والولاية بعد دراسة الأحوال وفهم الوضع والواقع على ما هو عليه، وقد أصدر هذا الكتاب الذي سماه"الأنس والرفيق بمآثر الشيخ سيدي ومولاي أحمد ابن الصديق"ومعه المبشرات التليدية، بعد طبعه بتطوان، وهو سُبة في جبين الزاوية والصوفية، ففيه من المصائب والرزايا، ما يناسب حال الزاوية، وكان رغب إليَّ أن أصحح له الكتاب بالمطبعة، ولما رأيته ذكرني فيه وأورد أبياتا من قصيدة لي في مدح الشيخ، والكتاب كما قلت لا يُشرف الشيخ لأنه مدونة خرافات ومنامات، كتبت إليه أرجوه حذف اسمي من الكتاب مع تلك الأبيات، فلم يرفع لذلك رأسا، وعمد إلى ما حلاني به من العلم والشرف فحذفه، واكتفى بالطالب الحاج محمد بوخبزة يريد أن يستفزني بذلك، فكتبت إليه رسالة دامغة ضمنتها قصيدة كافية هجوته فيها مُر الهجو، وزدت فتحديته أن يقرأ هذه الرسالة قراءة سليمة من اللحن والخطأ، فإن فعل أمنت بدعاويه في الولاية والعلم، وقد بشره شيخه أبو البيض حيث عبر له منامات رأى فيها الشيخين ابن عجيبة والحراق، وهو يملي عليهما من كلامه، والحراق يتضاءل إلى أن فني واختفى، بأنه سيدرك مقامهما في الولاية! ويقول ما يفوق شعرهما وزجلهما، وهذا مذكور في كتابه (المبشرات) [ص 17] ، وقد علقت على هذا التعبير بأنني لا أعرف الولاية الاصطلاحية عند الصوفية، فلا أدري ما أقول فيها إلا أنني كنت وما زلت أعرف عن الكرفطي بأنه ولي لا شك فيه، ولكنه من أولياء الشيطان جزما، أما إنه سيقول الشعر ويفوق الشيخين، فبالنسبة لابن عجيبة قد يكون؛ لأنه ينظم كلاما نازلا مختلا لا قيمة له، أما الحراق فلو عجن الكرفطي عجنا، وأعيد خلقه ما بلغ مده ولا نصيفه، وأحسن أحواله أن يستطيع قراءته وما أحسبه يحسن، وقد كانت تلك الرسالة التي تحديته بها آخر العهد