بيننا، فقاطعته وبرئت منه، وظلت الحال كذلك إلى أن وقفت على بعض أوضاعه، وبلغني عنه، أنه غير اسم الزاوية إلى (دار القرآن) ، كما رأيته ينكر اتخاذ القبور مساجد [1] ، ووحدة الوجود [2] ، والتشيع والرفض [3] ، فاستبشرت خيرا، ولكنه سُرعان ما رجع القهقرى وعاد أدراجه فأخبرني بعض تلامذتي من طلبة معهد الشاطبي أنهم زاروه بزاويته فوجدوا (الحضرة) قائمة برئاسة الشيخ والأنعام البشرية تشخر وتنخر وتصيح وتخبط الأرض برجلها وهو يباركهم ويهز رأسه، وهم يترامون على يديه ورجليه يقبلونها اِلتماسا لبركته، فعلمت أن الشيخ ما زال على صلة وثيقة بالرقص والسماع اليهودي، ثم أخبرني الأخ الفاضل خالد مدرك بمكة المكرمة أنه لقيه هناك وسأله عن عمله فأخبره بأنه يقوم بتحقيق كتاب"القول المنبي في ترجمة ابن العربي"للسخاوي، فنهره وقال له: تأدب مع الشيخ (يعني: ابن العربي الحاتمي) ، والقول المنبي كتاب فريد في بابه، فقد ترجم فيه لنحو مائة وأربعين عالمًا من علماء المذاهب الأربعة ومشايخ الطرق الصوفية في مصر والشام والعراق واليمن، وأورد عن كل عالم وشيخ فتوى بتكفير ابن العربي أو تضليله مع الاحتجاج بكلامه -كما سأفعل أنا بعون الله مع الشيخ أبي الفيض في هذه (الصحيفة) - ومن العجائب أن الشيخ أبا البيض أخبرني عن هذا الكتاب قديما، وأنه وقف عليه وقرأه، وهو في مجلد كبير، ومع ذلك صرح لي بأن ذلك الجمهور من العلماء والمشايخ لم يصيبوا وجهلوا لأنهم لا يعرفون التصوف الحقيقي (يعني الباطني الفلسفي) ؛ لأن هذا لا يدرك إلا بالذوق، وهكذا أحال الشيخ كعبد الغني النابلسي وأحمد التجاني ومحمد الكتاني على مجهول لا يُدْرَى ما هو، ولا أي ذوق من الأذواق هو، ثم لما طُبع"البحر المديد، في تفسير القرآن المجيد"لأحمد ابن عجيبة، أخبرني الكتبي العشيري بطنجة أن الكرفطي اقتناه بمنتهى الحرص والغبطة رغم غلاء ثمنه، وأخبرني بعض الطلبة ممن كانوا يغشون ثكنته أنه كان يقرأ معهم هذا الكتاب الموبوء، ويبدي إعجابه بأقواله وإشاراته، فعلمت أن الرجل ما زال تحت سيطرة إبليس وأن هذا مازال في حاجة إليه للإغواء والتضليل، وقد كان سبق له معي أنني لما رأيت في (مبشراته) أن بعض حميره رأى الله -سبحانه وتعالى عن إفكهم علوا كبيرا- في منامه على صورة شيخه الكرفطي، وأنه أرسل إلى
(1) قال في كتابه تهذيب الترمذي 1/ 571 معلقا على حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه مرفوعا:"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا عليها": فيه النهي عن الجلوس على القبر، والصلاة إليه، وقد عمت بذلك البلوى وملئت المساجد والزوايا بالقبور، ولا سيما عندنا بالمغرب، فأصبح من الحرج بمكان عدم الجلوس عليها، وكذا الصلاة إليها وعليها، وإنا لله وإنا إليه راجعون، والسبب في هذا اتباع مذهب مالك -رحمه الله- الذي يتساهل في هذا الباب. وقد ذهب الجمهور إلى التحريم.
(2) في كتابه نصب الموائد في الفتاوى والنوادر والفوائد.
(3) في كتابه أهل السنة والشيعة بين الاعتدال والغلو.