شيخه أبي البيض يستفسره عن هذه الرؤيا فأجابه هذا ووافقه عليها، وقد تبين بعد أن وقفت على كلام شيخه في تعبير الرؤيا أنها رمز ومثال (و أن الرائي ما رأى إلا الكرفطي) وإلى هذا ينحو لفظ الشيخ [1] ، ولكن الكرفطي طواه لحاجة في نفس يعقوب، ولما رأيت هذا مع غيره من الموبقات استنكرت هذا فبلغه ذلك فألف أوراقا بعنوان (الإعلام بجواز رؤية الله في المنام) وطبعها بتطوان، فوقفت عليها ورأيت ما ضمنها من سباب وشتائم وقذف صريح ورمي بالإفك والبهتان، وهو يعلم كشيخه أن من دين الصوفية ولا سيما ابن العربي في"الفتوحات"وجوب محبة الأشراف، واعتقاد أنهم ناجون وسيدخلون الجنة دون حساب، وزاد أنهم أطهار العين الخ- غلوهم الذي لا أساس له - وإنما نبهت على هذا مجاراة لهم، وإلاّ فأنا أقرأ قوله تعالى: (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) ، وقوله جل وعز: ( ... فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون .. ) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ، ولكن هذا ما لم يتعارض مع أهوائهم ومصالحهم، وإلا فإنهم يستحلون الأعراض، والقذف واللعن؛ بل والتفسيق والتكفير، وكتبت ردا عليه في كراسة سميتها (الإعلام بمروق الكرفطي من دين الإسلام) أو (بيان إلى الدجال القرمطي، عبد الله الكرفطي) وظل الرد عندي لأنني لا أجد ما أنفقه على الطبع، ولم أفتح زاوية وأستغفل الناس وأبتز أموالهم لطبع الخرافات، وبعد مضي نحو أربعين سنة وقف الأخ الأستاذ عمر بن مسعود الحدوشي فرج الله كربه على هذا الرد، وقرأه وأعجبه، فاستأذنني في طبعه، فأذنت، وطبعه في جزء مع تلك الرسالة المذكورة التي أرسلتها إلى الكرفطي، وبعد مدة طبع هذا جزءًا جمع فيه رسائل أبي البيض إليه، وأضاف إليها عشرين؛ بل ثلاثين رسالة كتبها الشيخ إلي، ومنها واحدة كتبها بواسطتي إلى الأخ الأستاذ محمد الفلاح رحمه الله، سطا عليها وحشرها دون تمييز ولا استئذان ولا شكران على عادته وعادة مشايخه في السطو على جهود الناس، وهم من كبار (لصوص النصوص) ، وهذا كما ترى مخالف للأمانة العلمية، وقد فعل هذا حتى لا يعرف القراء طبيعة الأسئلة وموضوعات البحث، ويفرقوا بين من يسأل عن (نا) و (أنا) عند المحدثين المختصرة من (حدثنا وأخبرنا) ، وعن الرؤى والمنامات التي لا تخلو منها رسالة من رسائله، وبين من يخوض مع الشيخ في وحدة الوجود وتصرف الأولياء في الكون وديوان الأولياء، وإيمان فرعون التي تورط فيها الشيخ ووقع على أم رأسه، وكانت مع الوقوف على كتابي (الإقليد) و (البرهان الجلي) الذي لم يطبع إلا بعد وفاته، وبعد لطف الله وعنايته، سببا في توبتي وبراءتي منه ومن الزوايا والتصوف، والحمد لله على ذلك، كما سيأتي تفصيل ذلك في الفصول العشرين من (الصحيفة) بإذن الله وتوفيقه، وقد سمى الجزء (در الغمام الرقيق، برسائل الشيخ السيد أحمد ابن الصديق) وقرأته فإذا به عَرّض بي وبشيخيه: السيد الزمزمي رحمه الله وعبد العزيز، وكنت أحسب أن حُماه هدأت إلا أن شيطانه لم يمهله حتى نَزَغَه بقوة، فقال في
(1) المنح الإلاهية بالمبشرات التليدية 13.