الفصل السادس عشر
قوله باستحباب اتخاذ القبور مساجد، وغُلُوُّه في ذلك حتى زعم أن الصلاة في الزاوية المقبورة أفضل من غيرها
هذه موبقة ظاهرة من تواتر لعن فاعلها، ووَصْفِه بالتشبه باليهود والنصارى في ذلك، وأنه من شرار الخلق، وقد وفقني الله تعالى، وله الحمد والمنة منذ سنوات إلى جمع واحد وأربعين حديثا في النهي عن البناء على القبور، واتخاذها مساجد، وبطلان الصلاة فيها، وآثار أربعة عن الصحابة رضي الله عنهم مع مقدمة وخاتمة واعيين في الرد على أبي البيض وشقيقه عبد الله لجرأتهما على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومحاولتهما رد هذه الأحاديث المتواترة تواترا معنويا بمحض الهوى والجهل، وليتهما سكتا وكعا عن العبث والتلاعب بالشرع والدين في سبيل نصرة الزاوية، وبيع القبور فيها، ولكنهما أبيا إلا الإلحاد والجحود، فألف الأول"أبو البيض"منذ عقود من السنين جزءًا طُبع بمصر بعنوان:"إحياء المقبور، بأدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور"، فلم يكتف بالجواز؛ بل حكم باستحباب وسائل الوثنية وعبادة غير الله، وقد ذكر في أثناء الكتاب ما يدل على أنه لم يكن يعرف توحيد العبادة والتوجه والقصد والدعاء، كسائر أهل بيته الذين يكتفون بتوحيد الربوبية، وبه يفسرون كلمة الإخلاص، ولا يرون بأسا من دعاء الأموات، والتمسح بالأضرحة، والذبح لها، ومناداة أهلها والاستغاثة بهم في الشدائد والأهوال، وأن هذا كله لا ينافي التوحيد ما دام صاحبه يعتقد أن الله تعالى واحد وأنه الخالق الرازق المدبر، وهذا توحيد سلفهم المشركين كما قصه الله عنهم في غير ما آية من كتابه العزيز، ولم يستح أبو البيض أن يعد من كرامات جده أحمد بن عبد المؤمن كما في كتابه (المؤذن) أنه أمر مَريدًا فاسيًا استدعاه للدخول في طريقته فأجاب بشروط منها: أن يُغيثه إذا نزلت به شدة، فوعده الشيخ بذلك طمعا في جيبه، وأمره إذا حلت به نائبة أن يتوجه نحو قرية (تجكان) بقبيلة بني منصور، ويناديه: (أسيدي أحمد، أسبع الأصفر، أمول اللحية الطويلة: غيثني) ، أو نحو ذلك، وليراجع الكتاب [1] ففيه من مصائب القوم أكثر من هذا، وقد ذكر أبو البيض في أول رسالته"إحياء المقبور"أن حديث أبي الهياج الأسدي أنه قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه خليلي صلى الله عليه وآله وسلم، اذهب فلا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته، رواه مسلم في الجنائز [2] ، قال عن هذا الحديث الصحيح: إنه متروك الظاهر ومؤول، وأخذ في تأويله ومحاولة طمس معالمه بما
(1) المؤذن 39.
(2) صحيح مسلم رقم: 1609.