فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 164

المعاصرين يستحضر متونا متداولة من أحاديث الأحكام، ومن الطرائف ما كنت أسمعه بمصر والشام والحرمين من بعض الأغرار الذين لا علم لهم كمحمود وعزنان أن أبا البيض كان يستظهر الصحيحين معًا، وبعضهم يقتصر على صحيح البخاري، فكنت أرد عليهم بأنه لو كُلف سرد كتاب واحد من كتب الصحيح عرضا لما استطاع، وأماليه كان يتكلّف لها ويعاني حفظ أسانيده النازلة، ولا يبلغ هذا نحو عشرة أحاديث إلى عشرين، أما ثمانون فأجزم جزما قاطعا أنه لم يفعل ولا يستطيع، وأحسن الإخوة إلقاءً وأكثرهم حفظا الشيخ الزمزمي رحمه الله، أما الثلاثة الآخرون، فعبد الله كان ألثغ تقريبا يشق عليه الحفظ والكتابة، وعبد العزيز لم يستطع قراءة حديث أبي مسلم الخولاني وهو من أحاديث الأربعين النووية، وأنا معه بدار الحراق بتطوان؛ بل لم يكن يحفظ القرآن ولا نصفه، وأعجز منه في هذه الناحية الأصولي المنطقي!! عبد الحي، ثم إن الأمالي والمستخرجات لا فائدة كبيرة فيها، وإن كان لها اعتبار فقبل ظهور المطابع كحفظ الأسانيد، والمستخرجات إيراد أسانيد نازلة جدًا من المؤلف إلى شيخ المستخرج عليه بطريقة مملة جدًا، وقد فُرغ من هذا النوع من الحديث بما أُلف فيه من مستخرجات على الكتب الأمهات، فهذه لقدمها يستفاد منها في تقوية الحديث وجمع ألفاظه، وقد أطلعني الشيخ على (وشي الإهاب) عشية قدومه طنجة قادما من سلا بعد خروجه من الاعتقال، فإذا هو في ثلاث مجلدات ضخمة كلها أسانيد لا تتخللها فوائد ولا علم إلا نادرا، أما عن سلوكه وأخلاقه ووطنيته وثورته ضد الإسبان، فالحاضر (كبوخبزة) يرى ما لا يرى الغائب، فإن الشيخ كان منقلبا، فهو مع الإسبان كغالب أقاربه ما داموا يُعطونه، وقد ذهب إلى إسبانيا ولقي الجنرال فرانكو مهنئا بعد الحرب الأهلية فأهداه هذا سيارة، باعها بسبتة، وقد حدثتني حَماتي وهي شقيقته، أنه أقام مأدبة كبرى للحكام الإسبانيين اشترى لها خمسين صحنا من الخزف الصيني الرفيع، وظل النساء يصنعن الحلويات أياما عدة لإطعام الكفرة المستعمرين، والغريب أنه لم يحضر لمأدبته المقيم العام، وإنما حضر الحكام المدنيون، وقد تمخضت تلك الحماقة التي زعمها جهادًا وحرب عصابات عن مآسي ذهب ضحيتها ناس، وعُذب ناس، ونالني من رشاشها، ولم يرض الشيخ الزمزمي بما يفعل شقيقه فهاجر إلى تطوان، أما حرصه على إحياء السنة، ومنها خُروجه حافيًا بطنجة فهو من آثار عين (برقان) التي ذكر المؤرخون أن من شرب منها اختل عقله [1] ،و هذا كثير في تصرفات

(1) قال في الروض المعطار 1926: وبخارج طنجة عين ماء طيب يسمونه: بَرقال، ويقال: إنه يحدث الحمق لشاربه، فهم يعرفون بذلك، فيقال لمن تهافت منهم: شربت ماء برقال، لا جناح عليك، وقال الشاعر:

بطنجة عين ماء وسط رمل ... لذيذ ماؤه كالسلسبيل

خفيف وزنه عذب، ولكن ... يطير بشاربيه ألف ميل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت