(قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه:50) . و (خلق آدم على صورته) ، والضمير عنده يعود على الله، اعتمادًا على رواية ضعيفة، وليس في الإمكان أبدع مما كان ـ كما قال الغزالي ـ لأن العالم مظهر الحق على الكمال، وقد يتوهم الواقف على كلام ابن العربي أن فيه تناقضًا، وذلك ناشئ من سوء فهمه، وتعديد أساليبه في التعبير عن رأيه، لأنه يصرح أحيانا، ويجمجم أكثر لخطورة الحال، ولما رأى الأشاعرة يقولون أخذا من مذهب الإغريق: إن العالم واحد بعينه، مختلف بصُوَره ونِسَبه، وهم يرونه شيئا آخر غير الله تعالى، وهو يرى الوجود واحدا، قال بأن الجوهر العام المنبث في العالم، والذي جعل منه الوحدة هو الذات الإلهية.
ومن المهم التنبيه على تنوع أساليب ابن العربي في التعبير عن وحدته، وتسميتها بأسماء مختلفة، فكثرة الأسماء لا تدل على تعدد المسميات، لأن الحقيقة الكلية واحدة وهي الوجود الأول والأخير، والإنسان الكامل، وحقيقة الحقائق، والمادة الأولى ... إلى نحو عشرين اسما تطلق بعبارات مختلفة، والأصل واحد كما قال شاعرهم: [الطويل]
عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير
وكما قال الشيخ محمد الحراق التطواني: [الخفيف]
حكمة الشرع أثبتتنيَّ لما ... سمَّتِ الكون كله بأسامي ...
ونفى جملتي انفرادُك بالذات ... والأسماء والنعوت العظام
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه لا فرق بين هذه الأفكار والنظريات الثلاث: وحدة الوجود، والاتحاد، والحلول، والحق أن بينهما فرقا واضحا؛ لأن ما عدا الوحدة يقتضي الإثنينية، فالاتحاد لا بد فيه من متحِد ومتحَد به، والحلول لا بد فيه من حالٍّ ومَحَلًّ، ولكنه رغم هذا، إذا تأمل الباحث أقوال أصحابها، وجدها تنتهي إلى الوحدة، وهي أن الحق هو الخلق والعكس.
وأصحاب الحلول قالوا: إن السالك إذا وصل إلى درجة خاصة في الصفاء، حل الله فيه، كالماء في العود الأخضر، دون تشابه أو تغاير، وصح أن يقول: [الرمل]
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا