فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 164

وقد كتب أبو البيض على هوامش نسخته المكية الأولى يصرح بتكذيب هؤلاء الأئمة في حكايتهم الإجماع، وهو لا يستطيع أن ينقضه بنقل واحد صحيح عن أئمة السلف.

ودليله على أن المعية بالذات عموم الآيات الواردة فيها، وقوله تعالى في سورة الواقعة: (فلولا إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرن) .

وقد حَرِد وتنمر من رسالة لأبي الفتوح حول هذه الآية، وسخر من عامة المفسرين، وقال كيف يفسرون تبصرون بالعلم. وقد أتي من غلبة الهوى عليه، وإلا فإن البصر يطلق لغة على الإدراك. وإذا كان المعنى بصر الرؤية فالمنفي رؤية الملائكة الحاضرين لقبض الروح. كما أنه استدل بحديث ردده مرارا، وفيه: (لو دليتم بحبل لهبط على الله) ، وقد نص العلماء على ضعفه. هذا مجمل ما يتعلق بهذه البائقة.

وأما مسألة التفويض، فإن أبا البيض يذهب إليه، إلا أنه يضطرب في التعبير، فتارة يوهم الإثبات مع التنزيه الذي هو المذهب الصحيح، وتارة يوهم بكلامه التفويض، وهو بدعة كبرى، لأن مآلها الإيمان بصفات لا معاني لها، إن هي إلا جمل وكلمات وحروف مجردة، وأركسهم في هذا الضلال ما روي عن بعض السلف أنهم قالوا: (تمر كما جاءت، وتفسيرها قراءتها) [1] .

وهؤلاء لا يعنون التفويض المطلق، وإنما مقصودهم أن لا يخوضوا في تكييف المعاني المفهومة من الكلام العربي. والقرآن نزل بلسان عربي مبين. وقد سمى الله تعالى نفسه فيه بعشرات الأسماء الحسنى، وهي أسماء ونعوت، كما وصف نفسه سبحانه بعشرات الصفات، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنزل عليه والمكلف بالبيان، وأصحابه رضي الله عنهم كانوا يعلمون بسليقتهم العربية أن معاني تلك الأسماء والصفات معلومة، وأنه يجب إثباتها لله تعالى على وجه يليق بعظمته وجلاله مع ملاحظة التنزيه عن التشبيه والتعطيل إعمالا لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ، وقد صح عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: (الاستواء معلوم والكيف مجهول) ، وقد رويت الكلمة نفسها مع زيادة وقصة عن الإمام مالك رضي الله عنه

وللأسف، فإن أبا البيض أعدى بهذا الجرب العقدي إخوته، ولا أعرف عن واحد منهم أنه رجع عن ذلك. ومن المستحيل إرشادهم أو نصحهم بمراجعة كتب العقيدة السلفية،

(1) انظر معارج القبول 1/ 395. وأم البراهين 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت