فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، ورجع نبي الله ? في نحر الأعرابي حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ? قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد. مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ?، ثم ضحك، وأمر له بعطاء.
وضحك رسول الله هنا حلم وإنسانية لا يأتي بهما إلا سمو الإيمان، وصدق الحب لله سبحانه. إن هذه الابتسامة نفسها عطاء روحي يأسو الجراح، ويداوي الهموم، ويشفي الأحقاد.
وعن أنس أيضًا في حديث متفق عليه قال: «كان رسول الله ? أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت فاستقبلهم النبي ? قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، وفي عنقه سيف. فقال: لقد وجدته بحرًا» [1] .
وعنه أيضًا في حديث رواه البخاري: «كانت أمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيد رسول الله ? فتنطلق به حيث شاءت» .
وفي حديث رواه البخاري أن الأسود سأل عائشة «ما كان ? يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» . وإن رجلًا يشهد له القرآن، وعبدًا يخاطبه الرب بقوله {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ، لرجل هو أعظم الرجال، وعبد هو أعظم العباد، ولهذا اصطفاه الله فجعله خاتم النبيين، ومهما أثنى عليه الذين يجيدون الثناء، فلن يشارفوا بكل ثنائهم سفح هذه القمة التي لا يكاد البصر يدركها، القمة التي جعلته فوقها آية الله {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} .
على لسانه هو ? أبى الله إلا أن تبلغ حقيقة الرسول، لتزداد الحقيقة إشراقًا يشع اليقين الثابت في نفس كل مؤمن. ولقد أحيطت هذه الحقيقة بما يجعلها تتوهج إشراقًا ووضوحًا يبدد كل ريب، وكل شك، ويقضي على كل همة يوسوس بها مكر الباطل الحقود. تأمل فعل الأمر: «قل» وكونه من الله سبحانه وتدبر ورود كلمة «إنما» التي تفيد أمرين. إيقاظ الشعور والفكر إلى ما سيرد بعدها، وتفيد الحصر والقصر. ثم ورود الضمير «أنا» مع إسناد البشرية التي تماثل بشريتنا إليه. ثم إثبات أنه ? يوحى إليه بالحقيقة الأولى وهي أن الله واحد لا شريك له. ولقد قلت من قبل -اهتداء بنور القرآن- أن ورود كلمة «مثلكم» هذه التي يكرهها الصوفيون آية إلهية تؤيد الحق الذي به يؤمن المسلمون. كان من الممكن أن يقال: إنما أنتم بشر
(1) أي وجده جوادًا سريع الجري.