فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 123

كما ينفع النبات رذاذ المطر، وعليه فإن العبرة بصدقات المخلصين ولا ينتفع المجتمع بشيء ولن تنتفع الأجيال القادمة بشيء من صدقات المرائين، ولا نفقاتهم، وإنما يحرق الرياء صدقاتهم كما تحرق النار جناتهم وحدائقهم.

كما حذرت الآيات من اعتبار النفقة أحد مخلفات الأغنياء، وإنما النفقة من الطيبات، ومما يرضاه المرء لنفسه، لقوله صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) [1] ، هكذا اهتم القرآن في بناء الهيكل الاقتصادي الإسلامي على الفرد المسلم ذاته في المقام الأول، فلم ينشئ كيانات اقتصادية ضخمة، ولم يهتم ببناء مؤسسات تمويل ولا مصانع تعمل بطاقات تشغيل هائلة، وإنما كان اهتمامه الأكبر ببناء الشخصية المسلمة النافعة لغيرها، والتي تؤثر غيرها على نفسها، ولن يُخشى على الأمة المسلمة قلة مواردها ولا كثرة حاجاتها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (فوالله لا الفقر أخشى عليكم) [2] ، وذلك طالما في المسلمين هذا الشعور التضامني المغلف بالحب والإيثاء، والذي يبتعد عن وساوس الشيطان وأي لمة تصدر عنه، فيصرف المال بالحكمة، بأن ينفقه على نفسه بالمعروف ثم أهله وعياله ثم من حوله من المحتاجين، فعن أبى هريرة قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقال رجل عندي دينار قال أنفقه على نفسك قال عندي آخر قال أنفقه على زوجتك قال عندي آخر قال أنفقه على خادمك ثم أنت أبصر) [3] ، فإذا استطاع المسلمون أن ينفقوا أموالهم بالحكمة استطاعوا أن يعيدوا أمجاد أمتهم لتسود كل الأمم بالمعروف، وهنا يفيض المال ولا يعرف المنفق أين ينفق صدقته، يقول النبي (إن من أشراط الساعة أن يفيض المال .. وتفشو التجارة) [4] .

(1) رواه البخاري ج 1 ص 21 رقم 12

(2) رواه البخاري ج 10 ص 413 رقم 2924

(3) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 78 رقم 197 وحسنه الألباني: صحيح الأدب المفرد ج 1 ص 87 رقم 197/ 145

(4) رواه الحاكم في مستدركه ج 2 ص 9 رقم 2147 وصححه الألباني: السلسلة الصحيح ج 6 ص 270 رقم 2767

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت