أخذت بل أعطتك سبعمائة حبة .. وبذلك نستطيع أن نصل بشيء مشهود ما يفصل لنا شيئا غيبيا) [1] .
وإذ لم يستقل المسلمون بالبلد دون غيرهم، حيث كان يعيش معهم أهل الكتاب وغيرهم من المنافقين والفاسقين، كان لزاما على المسلمين أن يعوا ويفهموا أنهم لا يعيشون في جنة الخلد بمفردهم مع المؤمنين أمثالهم، وإنما لابد وأن يختلطوا بأهل البلد، فكان لابد من إطار دستوري يحدد العلاقة بينهم بعضهم البعض، وإن كان المسلمون يشكلون القطاع الأكبر في هذا المجتمع، فإنهم حينئذ قد استشعروا الحرية التي حرموا منها في مكة، فأضحوا قادرين على أن يتميزوا بإظهار شعائرهم وعباداتهم وارتباطهم بكتاب الله تعالى، مع تصديقهم لما أنزل من قبلهم من كتب.
وعليه كان لابد وألا يغفل المسلمون عن سائر قطاعات المجتمع غيرهم، ففيه من غير المسلمين ما لا يمكن إغفاله، والسورة وإن راعت واجب العفو والتسامح مع أهل الكتاب كما في قوله (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا ... فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) (109) ، فإنها راعت من باب أولى التحذير من خطر المجرمين منهم، فابتدأت بمن غلفت قلوبهم بالكفر في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (6) لتصرف جهد المؤمنين عن التشتت والاستهلاك فيما لا طائل منه حال مناصحة عتاة المجرمين من الكافرين.
ثم ذكرت المنافقين لتحذر الذين آمنوا من مكرهم وخداعهم، وفي ذات الوقت تكشف عن أن النفاق قد يطرأ على قلب المسلم فيفسد حيث يريد أن يصلح، وليس قاصرا على من أبطن الكفر وأظهر الإيمان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في
(1) تفسير الشعراوي ج 2 ص 134 - أخبار اليوم -