فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 123

الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء) [1] ، ومعيار التفرقة بينهما هو اتباع سبيل المؤمنين في عباداتهم، وفي شعائرهم، وبالجملة في إيمانهم، وعدم مخالفتهم في شيء، يقول سبحانه (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) {المائدة/115} ، وفي المقابل مخالفة أهل الكتاب في كل شيء، لقوله صلى الله عليه وسلم (خالفوا اليهود والنصارى) [2] ، بيد أن المنافقين أقرب إلى أهل الكتاب من المؤمنين، فيظهرون مودتهم وولاءهم لأهل الكتاب حالما يخلو بعضهم ببعض، ويعلنون لهم خديعتهم للمؤمنين، فهم يتجارون مع الفريقين، فيشترون من المؤمنين رضاهم بإظهار الإيمان وإسرار الكفر، ويشترون من اليهود -كذلك- الذل والعار بإظهار مودتهم وتنفيذ أوامرهم بالإفساد في الأرض، فلا ربحوا إيمانا، ولا ربحوا عزة وجزاءا، فعن النبي صلى الله عليه وسلم «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» [3] ، ومن ثم كان إيمانهم كمن استوقد شعلة من نار فلم تلبث حتى أطفأها النفاق، فلم ير نور شريعة الله، ولم يفقه من الحق شيئا، ولم يتكلم بخير أبدا، وأضحى حاله من آيات الله تعالى البينات كالمرعوب من الموت في سبيل الله، وأضحى حاله من أحكام الله كبني إسرائيل لما أخذت منها ما وافق هواها، وخالفت منها ما لم يوافقه، فأظلم عليهم النفاق الطريق مرة أخرى، فلم يسيروا في طريق الحق، ووقفوا فيه، بيد أنهم ليسوا كأولئك العتاة من مجرمي الكفار، فلا تزال أجهزة استقبال الإيمان تعمل، لعلهم يتعظون بآية أو يهتدون بحكمة، وهي إشارة قرآنية إلي أن المنافقين لم يعرضوا عن الهدى ابتداء، ولم يصموا آذانهم عن السماع، وعيونهم عن الرؤية، وقلوبهم عن الإدراك، كما صنع الذين كفروا، لكنهم استحبوا العمى على الهدى بعد ما استوضحوا الأمر وتبينوه.

وفي أثناء هذا التصنيف والتوصيف للمجتمع المدني، والذي يصفه الرسول بأنه خير القرون، يأتي أول نداء في هذه السورة من عدة نداءات (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (21) ، ويعلن الله تعالى تحديه للناس بإعجاز هذا القرآن، ليكون إعجاز

(1) رواه أحمد في مسنده ج 39 ص 39 رقم 23630 وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة ج 2 ص 634 رقم 951

(2) رواه ابن حبان في صحيحه ج 5 ص 561 رقم 2186

(3) رواه مسلم ج 1 ص 297 رقم 169

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت