والشرب ... فهذه الأمور راجعة إلى محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية، إذ ليس فقدانها بمخل بأمر ضروري ولا حاجي، وإنما جرت مجرى التحسين والتزيين) [1] .
ومن ثم عنيت سورة البقرة بوضع اللبنات الأساسية لحفظ المجتمع المسلم، وللقيام بتلك الضرورات لابد من توجيه الجهد الجمعي إليها، ولا يكفي للقيام بها الإتيان بجهود الأفراد دون الجماعة المسلمة ممثلة في قيادتها، فهي بخلاف التكاليف العقائدية والشعائر التعبدية، حيث يتعين على ولي الأمر أن يقوم عليها وفقا للتنظيم السياسي والتشريعي الذي يسري على المجتمع ويناط بالقضاء وولاة التنفيذ الالتزام بها وعدم مخالفتها، ومن ثم ترسم للأمة المسلمة القواعد الأساسية والطريق المستقيم الذي يمثل دستور المدينة المنورة، بحيث لا يجوز مخالفته بأي حال، لأنها تمثل سمات المجتمع المسلم حتى وإن عاش في كنفه غير المسلمين، ولذلك تجد أن أول هذا المحور نداء للذين آمنوا بكتب القصاص عليهم في القتلى، وهو ما يعني أن المجتمع أصبح لديه دولة تقتص من القاتل بالقوة، فتقتل القاتل قصاصا للمقتول بالعدل، ولا تقدر الدولة على إنفاذ ذلك إلا إذا كان لها سلطان تستطيع فرضه بالقوة الجبرية على المخالفين للنظام القائم بها.
ولعل الأركان الأساسية والشكلية لبناء أي دولة، أيا كان توجهها أو معتقدها - وبالأحرى دولة الإسلام -، تتمثل في خمسة، يمكن إيضاحها فيما يلي:-
الركن الأول: قدرة الدولة على حماية أرواح مواطنيها وأموالهم وأعراضهم وصحتهم تشريعيا وتثقيفيا وتربويا ونفسيا، وذلك من خلال ثلاثة أمور (وضع قانون عادل وصارم للعدالة الجنائية - حفظ أموال الناس ووصاياهم حتى ولو كانوا أمواتا - تزكية المجتمع معنويا، وذلك ليصل إلى مرتبة التحكم في شهوتي البطن والفرج من خلال الالتزام بتشريع الصيام) ، تفصيل ذلك على النحو التالي:-
(1) الموافقات للشاطبي ج 2 ص 19 - 24 الناشر دار بن عفان الطبعة الأولى 1417 هـ/ 1997 م.