أولا: وضع تشريعات عادلة تحقن الدماء وتقتص من الجاني بصرف النظر عن نوعه ذكرا أم أنثى، ومكانته في المجتمع سيدا أم عبدا، وهي آية في القصاص في غير المعينين، حينما يكون الاقتتال شائعا بين طوائف متناحرة وحروب ناشبة، كما أن حكمها كذلك ينبسط على المعينين باعتبار أن القصاص أولى حينئذ، لأنه إذا سفكت الدماء، ولم تقتص الدولة من الظالم كان القصاص دينا عليها فلا يسقط، وإلا أسقطتها كثرة الديون لكثرة الدماء بلا قصاص، فمن أمن العقاب أساء الأدب، والناس ينتظمون في إطار الدولة لاستشعارهم الأمن والأمان في ظلها، ولذلك كان حقن الدماء أول وظائف الدولة المسلمة، وبالقصاص تبسط الدولة سلطانها، ومن ثم تنفذ فيهم تشريعاتها.
ومن هنا ظهرت الحاجة والضرورة لإقامة الدولة المسلمة، فبلا دين تعث الدولة في الأرض فسادا، وبلا دولة مسلمة تسفك الدماء ولا يقتص من الفاعلين، فكان صحيحا القول بأن الإسلام دين ودولة، فهو دين لأنه عقيدة وشريعة، ويحتاج لدولة حيث لا يمكن فصل العقيدة عن الشريعة، والشريعة لا يقوم عليها أفراد، وإنما تقوم عليها الدولة، وأساس قيام الدولة حفظ الدماء والأرواح والأعراض، فإذا زهقت الدماء انهار المقوم الأساسي لقيامها، وهو الأمن والأمان، ومن ثم شرع القصاص في القتلى لأجل حفظ حياة الناس، وردع الظالمين عن التعدي.
ويجدر التنويه إلى أن الشريعة الإسلامية راعت تقديم حفظ النفس من العدم، على كافة مقاصدها الأخرى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق) [1] ، بيد أن الآيات التي تحدثت عن القصاص تقدمت على الآيات التي تتحدث عن حفظ الدين من العدم - الآيات من (190 - 194) ، والآية (217) -، والأمر بقتال من يريد حصول الفتنة في صفوف المسلمين وردهم عن دينهم إن استطاعوا، لا لتقدم مرتبة النفس على الدين، ولكن لأن النفس علة فاعلة لهذا الدين، فمن الذي يقيم الدين متى كان الدم يهراق بلا تمييز بين الناس، مع الأخذ في الاعتبار أن النفس تهون لأجل حفظ الدين، وضمان ألا يفتن الناس في دينهم، ويرتدوا عنه مكرهين.
(1) رواه ابن ماجة ج 8 ص 48 رقم 2609 وصححه الألباني: صحيح ابن ماجة ج 2 ص 92 رقم 2121