فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 123

والإسلام حين يتخذه هذه المنهجية سوف يخرج بهذا المنهج عن حدود الدولة التي تطبق فيها شريعته، وهو الأمر الذي يوسع من دائرة الدعوة الإسلامية لتصل إلى الكافرين وهم منشغلون بزينة الحياة الدنيا، وعندئذ سوف يقطع الخطاب الدعوي لذة انهماكهم في الدنيا وتلك المادية الغارقين فيها، فإذا لفت الخطاب الدعوي أنظارهم استهزؤا به وسخروا من الذين آمنوا، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ) (يونس/7) ، ومن ثم نشأ الاختلاف بين الناس لأجل ذلك، ومن ثم التفرق بين الناس عن بغي وعدوان، الأمر الذي سوف ينتهي إلى صدام محتم بين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن به، ومن يعبد الله، ومن يعبد الأصنام والأنداد، وبين من اهتدى للحق، ومن يختلف فيه.

ومن ثم كان من الجدير التنويه إلى أن الاختلاف بين الناس في أمر هذا الدين لم ينشأ إطلاقا في أول الأمر، إذ كان الناس من عهد آدم إلى ما قبل نوح عليه السلام على الإسلام رغم وقوع المعصية بينهم، ولما عبد الناس الأصنام أرسل الله نبيه نوح عليه السلام وتوالت من بعده الرسل حتى جاء نبي هذه الأمة وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم فلما جاء بالحق وبالبينات ليحكم حياته بهذا الدين كان أول الناس اختلافا فيه وتكذيبا له ومسارعة في محاربته أهل الكتاب، ولم يكن منهم ذلك إلا ظلما وعدوانا وبغيا، قال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود/ 118 - 119) ، فكانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن استثنى الله تعالى، وخصهم بالرحمة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد) [1] ، قال ابن رجب (قوله:(ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه) الإشارة إلى يوم الجمعة -، وهذا - أيضًا - مما حازت به الأمة السبق مع تأخر زمانهم، فإن اليهود والنصارى لما فرض عليهم تعظيم الجمعة، والعبادة فيه لله، واتخاذه عيدًا للاجتماع فيه لذكر الله فيه، ضلوا عنه، فاختارت اليهود السبت؛ لأنه يوم فرغ فيهِ الخلق، واختارت النصارى الأحد؛ لأنه يوم بدئ فيه الخلق، فهدانا الله للجمعة، فصار عيدنا أسبق من عيدهم، وصاروا لنا في عيدنا تبعًا، فمنهم من عيده الغد من يوم

(1) رواه البخاري ج 3 ص 388 رقم 827

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت