فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 123

الجمعة، ومنهم من عيده بعد غدٍ، وإنما ضلت الطائفتان قبلنا لتقديمهم رأيهم على ما جاءت به رسلهم وانبياؤهم، واهتدت هذه الأمة باتباعهم ما جاءهم به رسلهم عن ربهم، من غير تغيير له ولا تبديلٍ) [1] .

فإذا كان الاختلاف قائم في تعظيم أمر الله، فإن فجوة الاختلاف سوف تتسع بيننا إذا ما استطردنا في التفاصيل، وهو الأمر الذي مؤداه أن يرد أهل الكتاب دعوة الإسلام السلمية لنشر الإسلام بعداوة شديدة وإيذاء شديد للمسلمين، فيصيب المسلمين الأذى من ذلك، يقول سبحانه (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) (آل عمران/111) ، بل إن الأمر قد يصل - وسوف يصل- إلى ما هو أشد من الإختلاف، وهنا سوف يلحق المسلمين البأساء والضراء لأجل الثبات على هذا الدين، وعدم الركون إليهم في شيء، قال تعالى (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) (الإسراء / 74 - 77) ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (كيف بكم وبزمان يوشك أن يأتي يغربل الناس فيه غربلة وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم فاختلفوا وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه قالوا كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك قال تأخذون بما تعرفون وتدعون ما تنكرون وتقبلون على خاصتكم وتذرون أمر عوامكم) [2] ، وسوف يتعدى الأمر مرحلة الثبات إلى مرحلة الزلزلة، ويشتد الابتلاء حتى يستعجل الرسل - الذين هم أقوى الناس إيمانا - النصر، وحتى لا ينقطع أمل المؤمنين في النصر، الأمر الذي قد يقلل شيئا من ثباتهم على الحق، فقد بشرهم الله تعالى بالنصر، ألا إن النصر ثبات ساعة، ومن ثم كان على الأمة المسلمة أن تفهم وتعي جيدا متى يأتي النصر حتى بعد التمكين، وضرورة تجاوز مرحلة الإبتلاء والتمحيص من جديد، فلم يكن العهد المدني بأقل من العهد المكي اضطهادا للمسلمين، ولم تتحزب الأحزاب على رسول الله إلا في العهد المدني بعدما أنشأ دولته بالمدينة المنورة، وهنا لابد للفئة المؤمنة الثبات على الحق حتى بعد التمكين، ومن مظاهر هذا الثبات عدم الانشغال

(1) فتح الباري لابن رجب ج 5 ص 336

(2) رواه ابن ماجة ج 11 ص 451 رقم 3947 وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 873 رقم 8723

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت