فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 123

بمدافعة الذين كفروا بأكثر مما يتطلب الأمر عن إتيان أعمال البر والنفقات في سبيل الله، ولذلك أشارت الآية (215) إلى ضرورة الاستمرار في أعمال البر والإنفاق في سبيل الله حتى في ظل أحلك الظروف، واشتداد البلاء والقتال متى دعت الحاجة إليه.

وحتى لا يتوهم البعض أن منهج الإسلام في الدعوة إليه قاصرٌ على البلاغ، وأنه إذا حيل بين المسلمين والبلاغ حائل فلا حيلة لهم إزاءه، وأنه لو اعتدى عليهم أحد فإنهم صابرون محتسبون، ولا طاقة لأحدهم بالقتال، أو أن القتال شرع من الناحية الدستورية لأجل رد العدوان، فيتوهم الناس أنه لن يعتدي عليهم أحد طالما ظلوا مسالمين، وبالتالي فليسوا بحاجة لتطبيق أحكام القتال واستدعاء الجند لذلك، بيد أن القرآن يقطع بصراحة ووضوح أن القتال مكتوب ومكروه، فهو مكتوب لأجل أن التدافع قائم إلى قيام الساعة مهما ظل المسلمين محتفظون بسلميتهم، ومكروه لأجل أن الإسلام لا يدعو بمبادئه إليه، فقد قام النبي خطيبا في الناس قائلا (أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم) [1] .

ولذلك استطردت الآيات - من (216 - 218) في شرح أحكام القتال، والحكمة منه والحاجة إليه، وترتيب أولوية مقصده، ليتم ترتيب مقاصد الشرع بحسب الضرورة، فيتقدم حفظ الدين على حفظ النفس، ولا يفهم من ذلك على سبيل الخطأ أن الإسلام يكف اليد، ويرضى بالدنية حال تهديد المسلمين و انتشار الفتنة لتطال مقدساتهم وتخرق حرمة الأشهر الحرم، فتؤكد الآيات أن فتنة المسلمين في مقدساتهم ليست أشد على الله تعالى من إضطهاد المسلمين، وسفك دمائهم، فكأن حفظ أنفس المؤمنين من حفظ مقاصد هذا الدين، ولذلك قال الإمام الشاطبي فيما معناه: (إذا كان قيام الوجود الدنيوي مبنيا علي مصالح الدين - المبنية على المحافظة على الأمور الخمسة المذكورة - فإنه إذا انخرمت لم يبق للدنيا وجود، فكذلك الأمور الأخروية لا قيام لها إلا بذلك، فلو عُدِمَ الدينُ عُدِمَ ترتُّبُ الجزاء المرتجى، ولو عُدِمَ المكَلَّف لعُدِمَ من يَتَديَّن،

(1) رواه البخاري ج 10 ص 124 رقم 2744

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت