فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 123

والبقر لكي يعيش ويتغذى يحتاج إلى رقعة زراعية كبيرة حتى يقدر على التهام الكثير من الحشائش والنباتات، كما يحتاج لأيدي عاملة كثيرة تهتم بالزراعة أولا، وبالإنتاج الحيواني ثانيا، ثم بالصناعات العذائية ثالثا، ثم بالتجارة رابعا، وكذلك الصناعات الجلدية التي تعتمد على جلود الأبقار كصناعة المعاطف والحقائق والأحذية، وعليه فإن توافر البقر في رقعة معينة يدل على زيادة الرقعة الزراعية بها، الأمر الذي يعني أن الدولة تتوافر فيها مقومات اقتصادية للاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية.

وقد اهتم بني إسرائيل بهذا الكنز الاستيراتيجي [1] ، لا لأنهم يقومون بتعمير الأرض من باب الاستخلاف فيها، والإلتزام بالفكر الإسلامي في النماء والإنتاج، وإنما لأجل أنهم عباد مال، يبتغون الاكتناز وحب المال، ومن ثم عبدوا العجل لأجل ذلك، فالعجل الذي عبده بنو إسرائيل لم يكن عجلا حقيقيا، وإنما مجرد تمثال من ذهب صنعه السامري بطريقة معينة، وجعل فيه إمكانية أن يصدر صوتا له خوار، ومن ثم يمكن أن يصدر لهم أوامر، هي في الأصل أوامر السامري ولكن بطريقة غير مباشرة، وبالتالي يسمعوا لها ويطيعوا، واليهود ليسوا من البلاهة حتى يعبدوا عجلا من ذهب، وأن يتبعوا أوامر هذا الصنم، فهم يعلمون أنه لا يملك لهم نفعا ولا ضرا، لكنهم يعلمون أن السامري الذي صنع العجل الذهبي هو الذي يتحكم فيه، فلما وجدوه قد صُنع من الذهب علموا أن السامري يملك ذهبا - وإن شاركوه في الذهب -، (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) {طه/87 - 88}

ومن ثم اتبعوه فيما يأمرهم دون مناقشة، لأن قلوبهم أشربت بحب المال والذهب، فلما أمرهم بعبادة بقرة سمعوا وأطاعوا، لا تقديسا للبقرة، وإنما تقديسا للمال الذي عبدوه وسعوا وراءه، ولا يزال اليهود أتباع المال والثروة يسيرون وراء كل مالك لها، ولذلك تراهم قبل يوم القيامة

(1) يقول الشعراوي: السلعة هي ما يستفاد بها مباشرة، والثمن ما لا يستفاد به مباشرة، فعندما تكون جائعا أيغنيك أن يكون عندك جبل من ذهب؟ إن هذا الجبل من الذهب أنت لا تستفيد منه مباشرة، أما فائدتك من رغيف الخبز فهي استفادة مباشرة، وكذلك كوب الماء الممتلئ، والملابس التي ترتديها أنت تستفيد منها مباشرة.

تفسير الشعراوي ج 1 ص 687 الآية:254

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت