فالدافع لجهاد الطلب إذن ليس هو مجرد الكفر، إذ ولو كان كذلك لما سُمح بوجود أهل الذمة في الدولة الإسلامية , ولأصبحت الخيارات في الإسلام تدور بين الدخول في الدين أو القتل , وإنما غايته إعلاء كلمة الله في الأرض والتمكين لدعوة الإسلام , فمن وقف في طريق المسلمين وقاتلهم وحاربهم فإنه في هذه الحالة يباح قتاله [1] .
فإذا ما تبين لنا أن كلا الجهادين الطلب والدفع كانا لضرورة، فإما أن يكونا لدفع صائل معتدي أو لدفع صائل محتمل، شريطة أن تعزز القرائن هذا الاحتمال، عذرنا بعد ذلك من تشدد في توضيح هذا المفهوم وكأنه أنكر جهاد الطلب حتى لا يتوهم الناس أن جهاد الطلب من أهم وسائل نشر الإسلام في العالم، ولذلك قال العلماء (لا علاقة للقتال بشأن نشر الإسلام أو في التعامل مع الكفر والكافرين) ، وأن القلة الشاذة التي ارتأت أن القتال واجب دائم لنشر الإسلام وتطهير الأرض من الكفر والكافرين [2] ، وذلك دون ضبط هذا الكلام بإضافة من لا عهد له مع المؤمنين، ولا شك أن من صور العهود مع المسلمين التبادل التجاري بين البلدان، والتمثيل الدبلوماسي ... الخ.
والحقيقة أنه لإيضاح المعنى والفارق بين أقسام الجهاد، وإيضاح مشروعية جهاد الطلب وحكمته لابد من مدارسة سورة النمل، من قوله تعالى (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(23 - 24) .. حتى قوله تعالى (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)
(1) الشيخ / سلطان بن عبد الرحمن العميري - مركز التأصيل للدراسات والبحوث
(2) د/حامد بن أحمد الرفاعي - الأمين العام المساعد لمؤتمر العالم الإسلامي - رئيس المنتدى الإسلامي العالمي لحوار - كتابه: شركاء لا أوصياء - http://www.dialogueonline.org/jihad-altalab.htm إشكالية جهاد الطلب