فبخصوص جهاد الدفع قال ابن القيم في أقسام الجهاد (فمن المعلوم أن المجاهد قد يقصد دفع العدو إذا كان المجاهد مطلوبا والعدو طالبا وقد يقصد الظفر بالعدو ابتداء إذا كان طالبا والعدو مطلوبا وقد يقصد كلا الأمرين والأقسام ثلاثة يؤمر المؤمن فيها بالجهاد، وجهاد الدفع أصعب من جهاد الطلب فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه، كما قال الله تعالى(أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) (الحج/39) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد) ، لأن دفع الصائل على الدين جهاد وقربة ودفع الصائل على المال والنفس مباح ورخصة فإن قتل فيه فهو شهيد، فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبا ولهذا يتعين على كل أحد يقم ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه والولد بدون إذن أبويه والغريم بغير إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق، ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين، فكان الجهاد واجبا عليهم لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لاجهاد اختيار) [1] .
وبخصوص جهاد الطلب، قال الألباني -فيما ذكرناه سابقا - (ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون كلمة الله هي العليا) ، فإنه يقصد من ذلك أن بلدانهم خلت من العهد مع المسلمين، فلا هم مستأمنون ولا هم ذميون، ومن ثم لا أمان لهم، فعن بن عباس قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى يدعوهم [2] ، فإذا هم لم يستجيبوا للإسلام، ولا للعهد مع المسلمين، فالثالثة هي الواجبة، ومن ثم وجب قتالهم خوفا من غدرهم، وأمثلة ذلك في السيرة غزوة حنين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن في ديارها، وإن كان سببها، أن مالك بن عوف النصري جمع القبائل من هوازن لغزو المسلمين، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم، وكذلك غزوة تبوك، حيث بلغ المسلمين أن هرقل جمع جموعًا من الروم، وقبائل العرب الموالية لها لغزوهم، فعلم بهم الرسول صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم [3] .
(1) ابن القيم: الفروسية ج 1 ص 188
(2) رواه أحمد في مسنده ج 1 ص 231 رقم 2053
(3) شرح زاد المستقنع للشنقيطي - منقولا عن موقع إسلام ويب - الغزوات الإسلامية بين جهاد الطلب وجهاد الدفع، فتوى رقم 177109