الحمد لله القائل في محكم تنزيله: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} {الرحمن: 1 - 4} ، وصلى الله تعالى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.
أما بعد:
فإنّ البلاغة من أجلّ علوم العرب، وهي صناعتهم المختارة التي كانوا يتفاخرون بها في الحل والتّرحال، وفي البدو والحضر، وقد مر هذا الفن في نشأته بمحطات كثيرة، من العصر الجاهلي بملاحظاته النقدية البلاغية العابرة، ثم ازدادت هذه الملاحظات البلاغية تكثّفا في عصر صدر الإسلام تحت حضانة الوحيين، لتنمو هذه الملاحظات في العصر الأموي وتسمو عن العفوية إلى الصبغة العلمية نوعا ما، حتى يطالعنا العصر العباسي بمعاركه الأدبية والنقدية الكثيرة من هنا وهناك، فنمت البلاغة داخل هذه المعارك الأدبية نموا لافتا للنظر، حتى وصلت إلى مرحلة الازدهار، وخاصة داخل المعركة التي اضطرمت نيرانها حول"إعجاز القرآن"، وقد أشعل إبراهيم النظّام نار هذه المعركة؛ برد إعجاز القرآن إلى"الصرفة"، فخاض العلماء هذه المعركة باحثين وفاحصين عن الأوجه البلاغية لإعجاز القرآن، رادين على إبراهيم النظّام وحزبه ردّا قويا.
ولا تضع هذه الحرب أوزارها؛ حتى يفاجئنا الإمام عبد القاهر الجرجاني [1] ، بكتابيه"دلائل الإعجاز"و"أسرار البلاغة"وقد أودع فيهما أساس البلاغة العربية وقواعدها، ثم جاء بعده كوادر من البلاغيين الذّين استنبطوا قواعد البلاغة وضوابطها من الكتب المؤلفة خلال هذه المعارك، وعلى رأسهم سراج
(1) - هو الإمام عبد القاهر الجرجاني الملقب بالنحويّ، شيخ البلاغة والبيان،"كان من كبار أئمة العربية والبيان، شافعيا، أشعريا"، صنف في النحو"شرح الإيضاح"، وفي البلاغة"دلائل الإعجاز"و"أسرار البلاغة"توفي سنة: 471 هـ، وقيل: 474 هـ، السيوطي، بغية الوعاة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، ط. ت. بدون، 2/ 106.