وعند الرجوع إلى التعريفات الأخرى، نرى أن القزويني لم يصب في هذا المأخذ أيضا، حيث إنّ كثيرا من البلاغيين لم يذكروا القيد الذّي التزم به، كتعريف عبد القاهر الجرجاني حيث يقول: «كل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل وواقع موقعه» . [1]
هكذا ثمت جملة من التعريفات للحقيقة العقلية؛ خالية من قيد"في الظاهر"، إذن لا حرج على السكاكي، في عدم التزامه به وغيره كعبد القاهر الجرجاني.
وخلاصة القول في هذا الاعتراض، هي أنّ ما ذهب إليه السكاكي من عدم تقييد الحقيقة العقلية، بما كان المسند فيه فعلا أو ما معناه، وعدم تقييد تعريفه ب -"في الظاهر"صحيح وصواب، وأن اعتراض القزويني غير وجيه، حيث يخرج به الجملة الاسمية من الإسناد عموما، ومن الإسناد الحقيقي خصوصا.
وتجدر الإشارة إلى أن مسألة الحقيقة، سواء العقلية منها أو اللغوية، خارجة عن البلاغة وإنما جلبها البلاغيون، لأنه ضد المجاز، وقد قيل:"بضدها تتميز الأشياء"، وكان يكفيهم الحديث عنها من باب التمهيد، أما توسيع الكلام فيها، والمناقشة المستفيضة حولها، ليس من الدرس البلاغي، وهذا ما فات السكاكي وصاحبه.
1 -نص السّكاكي في تعريف المجاز العقلي
قال السكاكي «المجاز العقلي: هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم، من الحكم فيه لضرب من التأويل، إفادة للخلاف لا بوساطة وضع، كقولك:"أنبت الربيع البقل"، و"شفى الطبيب المريض"، و"كسا الخليفة الكعبة"، وإنما قلت"خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه". دون أن أقول خلاف ما عند العقل، لئلا يمتنع طرده بما إذا قال الدهري عن اعتقاد جهل أو جاهل غيره:"أنبت الربيع البقل"، رائيًا إنباته من الربيع، فإنه لا يسمى كلامه ذلك مجازًا، وإن كان بخلاف العقل في نفس الأمر، ولئلا
(1) - ينظر، عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، المكتبة التوقيفية، ط. ت. بدون، ص:334.