بعد معالجة هذه الفصول الثلاثة، من الفصل التمهيدي في ترجمة السكاكي والقزويني ونبذة عن كتابيهما، والفصلين اللذين هما لبّ الموضوع، الأوّل حول الاعتراضات الواردة في علم المعاني، والآخر في الاعتراضات الواردة في علم البيان؛ فهذه السطور تحتوي على أهم ما توصلنا إليه من خلال عرض هذه الاعتراضات ودراستها، حيث نستنتج ونلاحظ ما يلي:
1 -أن بواعث هذه الاعتراضات وأسبابها كثيرة، ولكن أهمها باعثان:
أ - باعث ذوق الجمال الفني: ويعني ذلك أن سبب الخلاف في مثل هذه الاعتراضات سبب فني ذوقي، كأن يعترض أحدهما على الآخر بحجة أن رأيه يخالف الذوق السليم، أو أنّ مذهبه يفقد جمال العبارة ويطفئ بلاغتها، كما في الاعتراض الوارد في ذكر المسند إليه، واعتراض تعريف المسند إليه بالموصولية، واعتراض تنكير المسند إليه، ومثل هذا الخلاف خلاف مشروع محمود، بل هو ضروري في مجال الفن إذ هو حافز للإبداع وتقدمه.
ب - الباعث المنطقي الفلسفي: عندما يعترض أحدهما على الآخر لذهابه إلى خلاف ما عليه علم الكلام والمنطق، فينتصر لقواعد المنطق على حساب البلاغة والذوق الأدبي، كما في الاعتراض الأوّل في مطلب تنكير المسند إليه، وفي الاعتراض الوارد في الفرق بين المجاز والكناية، والخلاف في هذه الحالة خلاف مرفوض، بل ينبغي تصفية البلاغة من تلك المسائل المنطقية والكلامية الفلسفية، وجعل الذوق والجمال هو الفيصل في المسائل البلاغية، لا المنطق والفلسفة.
2 -أن السكاكي عنده مشكلة في الاستشهاد، فكثيرا ما يسوق قواعد عامة وضوابط مقننة، ثم يسرد الشواهد والأمثلة التي بعضها تخالف القاعدة المقررة، فيمكن تأويل بعض ولا يمكن تأويل بعضها الآخر، ولهذا أمثلة عديدة في اعتراضات القزويني عليه، كما في اعتراض خروج الخبر عن مقتضى الظاهر، وفي مسألة توكيد المسند ب-"كل"، وفي مسألة الإيماء إلى بناء الخبر، وفي مسألة الكناية القريبة والبعيدة، وفي تخريج المثال الكنائي"عريض الوسادة"وغيرها.