فعلى المذهب الأول سار القزويني، وفهم من نص السكاكي السابق، إيهام أن قوله تعالى: «وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ» الآية، من تنزيل العالم بفائدة الخبر ولازم فائدته؛ منزلة الجاهل بهما، بينما الحقيقة عنده؛ هي أن الآية من أمثلة تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل به، وهذا صحيح إذا أمعنّا النظر في الآية، لقد نزّل العالم بقوله"لقد علموا .."منزلة الجاهل به، لما لم يعملوا بعلمهم، فخوطبوا ب-"لو كانوا يعلمون".
ولكن على المذهب الثاني، قد يفهم من نص السكاكي خلاف إيهام القزويني، وهو أنه تمثيل لتنزيل العالم، منزلة الجاهل مطلقا؛ لتعديه إلى ما نحن فيه، لكونه فردا من أفراد ذلك، لذا أردف الآية بقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} . [1] مع أنها من تنزيل الموجود منزلة المعدوم، كما ذهب إليه الصعيدي، [2] وبهاء الدين السبكي، [3] أو بعبارة أخرى ذكر خاص من شيء عام، مع العلم بانتماء الأول إلى الثاني أي انتماء الخاص إلى العام.
والحق أن في كلام السكاكي إيهاما كما قال القزويني، لأنه احتاج إلى تأويل وتفسير، وقد لا يستحق كلام السكاكي الاعتراض، لأنه لا يتصور من مثل السكاكي المتمكن في البلاغة أن يأتي بقاعدة عريضة، ثم يسوق أمثلة كثيرة خلاف تلك القاعدة، ولكن يا حبذا لو أزال السكاكي هذا الإيهام، بالتصريح بقوله"ومن نظير ذلك"كدأبه في"مفتاح العلوم".
والحمد لله أن القزويني قال: «وفيه إيهام» ، ولم يقل:"فيه نظر"كعادته، كأن الأمر ملاحظة عابرة من القزويني، نبه عليها القارئ كيلا يقع في حفرة الإيهام.
(1) - سورة الأنفال، الآية/17.
(2) - ينظر، بغية الإيضاح، الصعيدي، المرجع السابق، 1/ 34.
(3) - عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح، السبكي، المرجع السابق، 1/ 222.