على سبيل المثال، لو قلتَ وأنتَ تريد الإخبار عن زيد وعمرو وخالد جميعا معا، فقلتَ:"جاء زيد وعمرو وخالد"، فقد عممت المجيء، وحكمت به عليهم جميعا، وهنا الخبر عام النسبة إلى كل مسند إليه، وإذا أردت تخصيص أحد من هذا الحكم العام، حُتم عليك ذكر مسند ذلك المخصَص، كذكر مسند"عمرو"و"خالد"، المغاير لمسند"زيد"الذي هو المجيء، فتقول مثلا:"جاء زيد"، و"عمرو قائم"، و"خالد في الدار"، فذكر هذه الأشياء هنا لازم، لبناء فهم الكلام عليه، لذا نتساءل هل لهذا الذكر غرض بلاغي؟.
بالطبع ليس لهذا النوع من الذكر غرض بلاغي، من هنا يرى القزويني زيادة قيد ثالث - بعد عموم النسبة، وإرادة التخصيص -، وهو عدم قيام قرينة تدل على المحذوف، حتى يحصل في المسألة غرض بلاغي، فمتى ما توافر عموم النسبة، وإرادة التخصيص، وقامت قرينة تدل على المحذوف؛ لم يجب الذكر، فإذا ما ذكر رغم عدم وجوبه لوجود قرينة، فللذكر حينئذ غرض بلاغي، ولعل هذا هو تفصيل ما يرمي إليه القزويني، وهو ينم عن الفطنة والتدقيق.
وهذا هو الفارق بين معالجة النحاة، ومعالجة البلاغيين لمثل هذه المباحث، فالنحاة يولون مبحث الذكر والحذف عناية كبيرة، «ويهتمون بالواجب منها، ويشيرون إلى الجواز إشارة عابرة، وهو الأولى بالرعاية والاهتمام، لأن فيه تتضح الأساليب، وتظهر المواهب، وكان علماء البلاغة أحرص من غيرهم على هذه الجوانب، فأولوها عناية كبيرة» [1] ، وهكذا يعترض القزويني على السكاكي في هذه المسألة، متمثلا موقف البلاغيين، داعيا السكاكي وغيره إلى تركيز البحث والفحص على مسألة الجواز، في بابي الذكر والحذف لا على الواجب.
(1) - أحمد مطلوب، أساليب بلاغية، الفصاحة ـ البلاغة ـ المعاني، وكالة المطبوعات، الكويت، ط/ 1، 1979 م، ص: 159.