يقول بهاء الدين السبكي في هذا الصدد: «وردّ عليه في الإيضاح، بأن"كل"هذه للتأسيس لا للتأكيد، فإنها مفيدة للشمول، بخلافها في"قام الناس كلهم"، فإن العموم مستفاد من غيرها، فلذلك أفادت التأكيد، وهذا الذّي قاله صحيح» ، [1] أي أن ما قاله القزويني صحيح ومصيب في هذا الاعتراض.
وبسط بسيوني عبد الفتاح القول في هذه المسألة، ذاهبا إلى أن كلمة"كل"؛ لها حالتان:
-أن تقع تأكيدا، وذلك إذا استخدمت مع المعارف، ومعنى التأكيد أن الشمول مفاد بدونها، ولا دخل لها في إفادة الشمول، وإنما يأتي بها للتوكيد ودفع توهم غيره.
-أن تقع تأسيسا، أي أنها هي التي تفيد الشّمول وتؤسسه، فهو لا يقاد أصلا إلا من أجله. [2]
على سبيل المثال في قوله تعالى: «فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ» أضيف"كل"إلى المعرفة"الملائكة"، على سبيل التأكيد والتوكيد، فهي لا تفيد شمول السجود للملائكة أجمعين، بل تؤكد ذلك، فتعميم السجود للملائكة في هذه الآية، يستفاد من كلمة"الملائكة"، إذن الشمول مفاد بدون كلمة"كل"، بل هي جاءت لتأكيد الشمول، ودفع توهم غيره، ثم زيدت كلمة"أجمعون"، تأكيدا للتأكيد، بينما في قوله تعالى: «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» ، أضيفت كلمة"كل"إلى النكرة"حزب"، فالآية الكريمة ليس فيها ما يفيد الشمول والعموم، من هنا جلبت كلمة"كل"لتؤسس الشمول والتعميم وتفيده، فلو حذفت لكان معنى الآية:"فريق فرح بما لديه"، بصيغة النكرة، فالشمول في مثل هذه الحالات غائب بغياب كلمة"كل"أصلا. [3] أي أنها في مثل هذه الحالات للتأسيس لا للتأكيد.
ونخلص من ذلك كله، أنّ السّكاكي أخطأ في الاستشهاد بالقول"كل رجل عارف"، و"كل إنسان حيوان"، لأن كلمة"كل"فيهما للتأسيس؛ لاستخدامها مع النكرات، وهي أتت هنا لتفيد الشمول وتؤسسه أصلا، إذن لقد غاب عن السكاكي، التفريق بين"كل"التي تفيد توكيد العموم بإضافتها إلى المعرفة، و"كل"التي تفيد تأسيسه بإضافتها إلى النكرة.
(1) - عروس الأفراح، بهاء الدين السبكي، المرجع السابق، 1/ 32.
(2) - ينظر، علم المعاني، د. بسيوني، المرجع السابق، ص:115.
(3) ــ من بلاغة النظم القرآني، د. بسيوني عبد الفتاح، المرجع السابق، ص: 52 ــ 53.