فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 210

لولا صبر المضمر على قلة العلف ما قيل سباق ما قدر سجاف {نِعْمَ الْعَبْدُ} [ص: 44] على فتنة {وَوَهَبْنَا لَهُ} [ص: 43] حتى جرت في أمانة {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص: 44] ، من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الأخرى له.

قال جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما: خرجت مع علي رضي الله عنه إلى خارج المدينة، فتفكرت في أحوال الدنيا وغرورها وفتنها لنا، فقال: يا جابر إن الدنيا أحقر من أن يفتتن بها لبيب، ياجابر إن لذاتها في ستة أشياء، مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح، ومشموم، ومسموع.

فأما المأكول: فألين ما يؤكل العسل وهو رجيع ذبابة، وأما المشروب: فألذ ما يشرب الماء وقد تساوى فيه جميع الحيوانات، وأما الملبوس: فأفخر ما يلبس الحرير ومخرجه من دودة، وأما المنكوح: فمبال في مبال، وأما المشموم: فأطيبه المسك وهو دم دابة، وأما المسموع: فألذ ما يسمع الوتر وهو إثم كله.

ويقول ابن الجوزي رحمه الله في موضع رابع:

يا أخي لقد ربح القوم وأنت نائم، وكسبوا ورجعوا بالغنائم، ياهذا مالذي يغني عنك وقوفك بالمحراب وقلبك من التقوى عار، يامن هتك ستر المحارم وتعظيم الجرائم، أمستيقظ أنت أم نائم؟!

يا هذا كيف جفت منك المقل والأجفان مع فراق الأحباب والخلان، ما أكثر شغلك بآفاتك عن ذكر وفاتك، ويحك متى تستوحش من معاشرة الخلق متى تستأنس بمناجاة الحق، لا يطمعن البطال في منال الأبطال.

من زرع حصد ومن جد وجد، أي مطلوب ينال من غير مشقة؟ وأي مرغوب لم يتعد على طالبه الشقة؟ الملك لا يحصل إلا بالتعب؟ والعلم لا يدرك إلا بالطلب؟ واسم الجواد لا يناله بخيل؟ ولقب الشجاع بعد تعب طويل.

يا أرباب القلوب السائقة لا تيأسوا من روح الله؟ يا أهل الخوف من عواقب الذنوب طيبوا قلوبكم {إنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 54] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت