فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 210

مقامات اقتصادية

من مقامات الحريري:

يقول أبو محمد بن علي محمد بن عثمان الحريري في (( المقامة التفليسية ) )حيث يشكو السروجي، أنموذج الشحاذين والمكدين، يشكو فقره وسوء حاله:

عزمت على من خلق من طينة الحرية، وتفوق در العصبية إلا ما تكلف لي لبثه واستمع مني نفثه ثم له الخيار من بعد وبيده البذل والرد.

يا أولي الأبصار الرامقة والبصائر الرائقة، أما يغني عن الخبر العيان وينبئ عن النار الدخان؟ شيب لائح ووهن فادح وداء واضح والباطن فاضح، ولقد كنت والله ممن ملك ومال، وولي وآل، ورفد وأنال ووصل وصال، فلم تزل الجوائح تسحت والنوائن تنحت حت الوكر قفر، والكف صفر والشعار ضر، والعيش مر، والصبية يتضاغون من الطوى ويتمنون مصاصة النوى، ولم أقم هذا المقام الشائن، وأكشف لكم الدفائن إلا بعدما شقيت ولقيت، وشبت مما لقيت فليتني لم أكن بقيت.

وقال الحريري في (( المقامة الساسانية ) ).

حكى الحارث بن همام عن أبي يزيد السروجي أنه أوصى ابنه قائلًا: يا بني إني جربت حقائق الأمور، وبلوت تصاريف الدهور فرأيت المرء بنشبه لا بنسبه، والفحص عن مكسبه لا عن حسبه، وكنت سمعت أن المعايش إمارة وتجارة وزراعة وصناعة، فمارست هذه الأربع لأنظر أيها أفق وأنفع، فما أحمدت منها معيشة ولا استرغدت فيها عيشة، أما فرص الولايات، وخلس الإمارات، فكأضغاث الأحلام، والفيء المنتسخ بالظلام وناهيك غصة بمرارة الفطام. وأما بضائع التجارات فعرضه للمخاطرات وطعمة للغارات، وما أشبهها بالطيور الطيارات، وأما اتخاذ الضياع والتصدي للأزدراع فمنهكة للأغراض، وقيود عائقة عن الارتكاض، وقلما خلا ربها عن إذلال، أو رزق روح بال، وأما حرف أولي الصناعات، فغير فاضلة عن الأقوات، ولا نافقة في جميع الأوقات، ومعظمها معصوب بشبيبة الحياة ولم أر ما هو بارد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت