فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 210

يقول ابن الجوزي رحمه الله في كتابه (( صيد الخاطر ) ): لقد تفكرت فرأيت أن حفظ المال من المتعين، وما يسميه جهلة المتزهدين توكلًا من إخراج مافي اليد ليس بالمشروع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك رضي الله عنه: (( أمسك عليك بعض مالك ) )، وقال لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (( لئن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون أيدي الناس ) ).

فإن اعترض جاهل فقال: فقد جاء أبوبكر رضي الله عنه بكل ماله.

فالجواب أن أبا بكر صاحب معاش وتجارة فإذا أخرج الكل أمكنه أن يستدين عليه فيتعيش، فمن كان على هذه الصفة لا أذم إخراجه لماله، وإنما الذم متطرق إلى من يخرج ماله وليس من أرباب المعايش أو يكون من أولئك، إلا أنه ينقطع عن المعاش فيبقى كلاًّ على الناس.

وهذا أمر قبيح بمن يقدر على المعاش، وإن لم يقدر كان إخراج ما يملك أقبح، لأنه يتعلق قلبه بما في أيدي الناس، وربما ذل لبعضهم، أو تزين له بالزهد، وأقل أحواله أن يزاحم الفقراء والمكافيف والزمنى في الزكاة فعليك بالشرب الأول، فانظر هل فيهم من فعل ما يفعله جملة المتزهدين.

واعلم وفقك الله تعالى أن البدن كالمطية، ولا بد من علف المطية، والاهتمام بها، فإذا أهملت ذلك كان سببًا لوقوفك عن السير، وقد رؤي سلمان الفارسي رضي الله عنه يحمل طعامًا على عاتقه فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت، وقال سفيان الثوري رحمه الله: إذا حصلت قوت شهر فتعبد.

واعلم وفقك الله، أنه لو رفض الأسباب شخص يدعي التزهد وقال: لا أكل ولا أشرب ولا أقوم من الشمس في الحر، ولا أستدفئ من البرد، كان عاصيًا بالإجماع.

وكذلك لو قال وله عائلة: لا أكتسب ورزقهم على الله تعالى، فأصابهم أذى كان آثمًا، كما قال عليه الصلاة والسلام (( كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت