فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 210

واعلم أن الاهتمام بالكسب يجمع الهم ويفرغ القلب ويقطع الطمع في الخلق، فإن الطبع له حق يتقاضاه، وقد بيّن الشرع ذلك فقال: (( إن لنفسك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقا ) )ومثال الطبع مع المريد السالك كمثل كلب لا يعرف الطارق، فكل من رآه يمشي نبح عليه، فإن ألقى إليه كسرة سكت عنه، فالمراد من الاهتمام بذلك جمع الهم لا غير، فافهم هذه الأصول، فإن فهمها مهم.

وفي موطن آخر يقول ابن الجوزي رحمه الله: ينبغي للعاقل إذا رزق قوتًا أو كان له مواد أن يحفظها ليتجمع همه، ولا ينبغي أن يبذر في ذلك فإنه يحتاج فيتشتت همه، والنفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت.

فإن لم يكن له مال اكتسب بقدر كفايته وقلل الغلو ليجمع همه، وليقنع بالقليل، فإنه متى سمت همته إلى فضول المال وقع المحذور من التشتت، لأن التشتت في الأول للعدم، وهذا التشتت يكون للحرص على الفضول، فيذهب العمر على البارد.

ومن ينفق الأيام في حفظ ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر.

فافهم هذا يا صاحب الهمة في طلب الفضائل.

واعرف قدر شرف المال الذي أوجب جمع همك وصان عرضك عن الخلق، وإياك أن يحملك الكرم على فرط الإخراج فتصير كالفقير المتعرض لك بالتعرض لغيرك.

فالقناعة بما يكفي، وترك التشوف إلى الفضول أصل الأصول.

ولما أيأس الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله نفسه من قبول الهدايا والصلات اجتمع همه وحسن ذكره.

ولما أطمعها ابن المديني رحمه الله وغيره سقط ذكرهم، ثم فيمن يطمع؟ إنما هو سلطان جائر أو ملك منان، أو صديق مذل بما يعطي، والعز ألذ من كل لذة، والخروج عن ربقة المن ولو بسف التراب.

وفي موضع ثالث من كتابه النفيس يقول ابن الجوزي رحمه الله: العاقل يدبر بعقله عيشته في الدنيا، فإن كان فقيرًا اجتهد في كسب وصناعة تكفه عن الذل للخلق وقلل العلائق واستعمل القناعة، فعاش سليمًا من منن الناس عزيزًا بينهم، وإن كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت