المغنم، لذيذ المطعم، وافي المكسب، صافي المشرب، إلا بالحرفة التي وضع ساسان أساسها، ونوع أجناسها وأضرم في الخافقين نارها وأوضح لبني غبراء منارها، فشهدت وقائعها معلمًا واخترت سيماها لي ميسمًا، إذا كانت المتجر الذي لا يبور، والمنهل الذي لا يغور والمصباح الذي يعشو إليه الجمهور ويستصبح به العمي والحور، وكان أهلها أعز قبيل وأسعد جيل، لايرهقهم مس حيف ولا يقلقلهم سل السيف، ولا يخشون حمة لاسع ولا يدينون لدان ولا شاسع، ولا يرهبون ممن برق ورعد، ولا يحلفون بمن قام وقعد، أنديتهم منزهة وقلوبهم مرهفة وطعمهم معجلة وأوقاتهم غر محجلة أينما سقطوا لقطوا وحيثما انخرطوا خرطوا، لا يتخذون أوطانًا ولا يتقون سلطانًا ولا يمتازون عما تغدو خماصا وتروح بطانًا.
فقال له ابنه: يا أبت لقد صدقت فيما نطقت، ولكنك رققت وما فتقت، فبين لي كيف أقتطف، ومن أين تؤكل الكتف، فقال: يابني إن الارتكاض بابها والنشاط جلبابها والفطنة مصباحها والقحة سلاحها.
وقد كان مكتوب على عصا شيخنا ساسان، من طلب جلب ومن جال نال وإياك والكسل فإنه عنوان النحوس ولبوس ذوي البوس. وما اشتار العسل من اختار الكسل ولا ملأ الراحة من استوطأ الراحة، وعليك بالإقدام ولو على الضرغام، فإن جرأة الجنان تنطق اللسان وتطلق العنان وبها تدرك الخطوة وتملك الثروة.
وعلى هذا المنوال يمضي تلميذ ساسان النجيب معلمًا ابنه أفضل حرفة وصناعة، وهل أفضل عنده من الكدية والتسول!!
وقال الحريري في (( المقامة الدينارية ) ):
أبرز الحارث بن همام أمام شخص دينارًا وقال له اختبارًا، إن مدحته نظمًا، فهو لك حتمًا، فانبرى ينشد في الحال من غير انتحال:
أكرم به أصفر راقت صفرته ... جواب آفاق ترامت سفرته.
مأثورة سمعته وشهرته ... قد أودعت سر الغنى أسرته.
وقارنت نجح المساعي خطرته ... وحببت إلى الأنام غرته.