مَعَهُمْ لَمْ يَحْدُثْ قَطُّ أَنَّهُمْ أَبْطَلُوا خِلَافَةَ عَلِيٍّ وَلَا طَعَنُوا عَلَيْهِ وَلَا ذَكَرُوا فِيهِ جَرْحًا وَلَا بَايَعُوا غَيْرَهُ وَلَا خَرَجُوا لِقِتَالِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ فإِنَّه لَمْ يَكُنْ بالْبَصْرَةِ يَوْمَئِذٍ.
ومصداقُ ذلكَ: ما قَالَه الْأَحْنَفُ بن قَيْسٍ: لَقِيتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ بَعْدَ حَصْرِ عُثْمَانَ فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرَانِي فَإِنِّي أَرَاهُ مَقْتُولًا؟ قَالَا: عَلَيْكَ بِعَلِيٍّ.
قَالَ: وَلَقِيْتُ عَائِشَةَ بَعْد قَتْلِ عُثْمَانَ فِي مَكَّةَ فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرِينِي؟. قَالَتْ: عَلَيْكَ بِعَليٍّ [1] .
(مُفَاوَضَاتٌ قُبَيْلَ الْقِتَالِ) أَرْسَلَ عَلِيٌّ الْمِقْدَادَ بن الْأَسْوَدِ وَالقَعْقَاعَ بن عَمْرٍو لِيَتَكَلَّمَا مَعَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَاتَّفَقَ الْمِقْدَادُ وَالْقَعْقَاعُ مِنْ جِهَةٍ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى عَلَى عَدَمِ الْقِتَالِ وَبَيَّنَ كلُّ فَرِيقٍ وِجْهَةَ نَظَرِهِ.
وبعدَ الِاتِّفَاقِ نَامَ الْجَيْشَانِ بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، وَبَاتَ السَّبَئِيَّةُ (وَهُمْ قَتَلَةُ عُثْمَانَ) بِشَرِّ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِمْ وَهَذَا مَا ذَكَرَه الْمُؤَرِّخُونَ الَّذِينَ أَرَّخُوا لِهَذِه الْمَعْركَةِ [2] .
وجاء جارية بن قدامة السعدي فقال: يا أم المؤمنين! والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل عرضة السلاح، إن كنت أتيتينا طائعة فارجعي من حيث جئت إلى منزلك، وإن كنت أتيتينا مكرهة فاستعيني بالناس في الرجوع [3] .
(كَيفَ تمَّتِ المُسَاجَلةُ المَكِيدَة؟) أَجْمَعَ السَّبَئيُّونَ رَأْيَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَتِمَّ هَذَا الِاتِّفَاقُ، وَفِي السَّحَرِ وَالْقَوْمُ نَائِمُونَ، هَاجَمَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ السَّبَئيِّينَ جَيْشَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وَقَتَلُوا بَعْضَ أَفْرادِ الْجَيْشِ وَفَرُّوا ... فَظَنَّ جَيْشُ طَلْحَةَ أَنَّ جَيْشَ عَلِيٍّ غَدَرَ بِهِمْ، فَنَاوَشُوا جَيْشَ عَلِيٍّ فِي الصَّبَاحِ ... .
* فَظَنَّ جَيْشُ عَلِيٍّ أَنَّ جَيْشَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ قَدْ غَدَرَ، فَاسْتَمَرَّتِ الْمُنَاوَشَاتُ بَيْن الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى كَانَتِ الظَّهِيرَةُ فَاشْتَعَلَتِ الْمَعْرَكَةُ ...
يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله-: ثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللامة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الامر، وكان أمر الله قدرا مقدورا
(1) «فَتْح الْبَارِي» (13/ 38) وَقَالَ: «أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيّ بإِسْنَاد صَحِيح» .
(2) انظر: «الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة» (7/ 509) . «تَاريخ الطَّبَرِيِّ» (3/ 517) .
(3) «الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة» (7/ 259) .