(كيف توقَّف القتال؟) لما وصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، جعلت تنادي: الله الله! يا بني اذكروا يوم الحساب! ورفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان، فضج الناس معها بالدعاء حتى بلغت الضجة إلى علي فقال: ما هذا؟ فقالوا: أم المؤمنين تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم.
فقال: اللهم العن قتلة عثمان! وجعل أولئك النفر لا يقلعون عن رشق هودجها بالنبال حتى بقي مثل القنفذ، وجعلت تحرض الناس على منعهم وكفهم، فحملت معه الحفيظة فطردوهم حتى وصلت الحملة إلى الموضع الذي فيه علي بن أبي طالب، فقال لابنه محمد بن الحنفية: ويحك! تقدم بالراية، فلم يستطع! فأخذها علي من يده فتقدم بها، وجعلت الحرب تأخذ وتعطي، فتارة لأهل البصرة، وتارة لأهل الكوفة، وقتل خلق كثير، وجم غفير، ولم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي والأرجل فيها من هذه الوقعة.
وأحدق أهل النجدات والشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الراية ولا بخطام الجمل إلا شجاع معروف، فيقتل من قصده ثم يقتل بعد ذلك، وَكَانُوا يَقُولُونَ: لا يزال الحرب قائما مادام هذا الجمل واقفًا. وكانَ جيشُ عائشةَ يحرصونَ ألاَّ يُعقرَ الجمل حتى إنهم قطعوا يد سبعينَ رجلًا [1] .
(عُقِرَ الجمل) ثم جاء رجل -قيلَ من بني ضبة، وقيل ابن دلجة، وقيل أشارَ على ذلك علي- فضُرِبَ الجمل على قوائمه فعقره وسقط إلى الأرض، فسمع له عجيج ما سمع أشد ولا أنفذ منه، وآخر من كان الزمام بيده زفر بن الحارث فعقر الجمل وهو في يده.
ولما سقط البعير إلى الأرض انهزم من حوله من الناس، وحمل هودج عائشة وكأنه القنفذ من السهام، ونادى منادي علي في الناس: إنه لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح، ولا يدخلوا الدور، وأمر علي نفرًا أن يحملوا الهودج من بين القتلى.
(انتهتِ المعركةُ) قال ابن كثيرٍ: وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف، خمسة من هؤلاء، وخمسة من هؤلاء، رحمهم الله ورضي عن الصحابة منهم.
(1) (البداية والنهاية) (7/ 272) .