فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 681

مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: 3] فقد خيره تبارك وتعالى بين النكاح والتَّسرِّي - أي الاستمتاع بالأمة -، فلو كان النّكاح واجبًا لما خيره بين واجب وغير واجب، فالتخيير ينافي الوجوب؛ فكونه صار جائزًا له أن يتركه وأن يكتفي بالتسري دل على أنّه ليس بواجب؛ لأنه لو فعل غير الواجب وهو التَّسَرِّي صار تاركًا للواجب، والواجب لا يجوز تركه، هذا مقرر في أصول الفقه؛ وهو أنّه لا يصحّ التخيير بين واجب وغيره؛ لأنّه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب وأنّ تاركه لا يكون آثمًا.

هذا المذهب - وهو أن النكاح على من استطاع الباءة ليس واجبًا بل مستحبًا - هو مذهب جمهور العلماء.

أما إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية؛ فواجب كما قال المؤلف.

قال رحمه الله: (وَيَجِبُ عَلى مَنْ خَشِيَ الوُقُوُعَ في المَعْصِيَةِ)

يفهم من كلامه هذا أنّه لا يريد بقوله الأول (يُشرع لمن استطاع الباءة) ؛ الوجوب.

فيبقى عندنا إمّا الاستحباب أوالإباحة؛ وقد قدّمنا أنه مستحب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رغّب فيه، وقد جاء هذا الترغيب في أحاديث كثيرة؛ منها: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج» [1] .

ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» [2] في هذا ترغيب في الإكثار من الولد، والاكثار من الولد لا يكون إلّا بالنّكاح.

أوجب المؤلف هنا النكاح عند الاستطاعة على النّكاح والخوف من الوقوع في المعصية؛ وكلامه رحمه الله حق؛ لأنّ النّكاح في هذه الحالة يحفظ عليه دينه بإعانته على ترك الحرام.

تأتينا هنا القاعدة الأصولية: ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، فترك الحرام واجب، ولا يتم هذا الواجب إلّا بالنّكاح؛ فالنّكاح واجب.

وتفصيل هذه القاعدة في أصول الفقه في مبحث الواجب من الأحكام التكليفية.

قال ابن قدامة: وأجمع المسلمون على أن النكاح مشروع، واختلف أصحابنا في وجوبه؛

(1) تقدم تخريجه.

(2) أخرجه أبو داود (2050) ، والنسائي (3227) عن معقل بن يسار - رضي الله عنه -، وسيأتي إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت