فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 98

جعل بلاطه مركز نهضة شعرية قوية يجذب الشعراء من كل مكان. أما ابن زيدون فكان من أساتذته الأجلاء في فنون الأدب واعتمد عليه بدرجة أنه أقره على مناصبه ووثق به في إدارة شؤون الدولة كل الثقة ولم تطل حياة ابن زيدون بعد ولاية المعتمد بن عباد إلا عامًا وبعض عام ولكنه ظل طول هذه المدة موضع ثقة واعتماد وتقدير واحترام حتى حاول الحساد والمفسدون الوقيعة بينهما وقدّموا للمعتمد مقطوعة شعرية يغرونه فيها بابن زيدون ولكن المعتمد أبى واستكبر بل قال مقطوعة عارض بها مقطوعتهم. ولما سمع هذا ابن زيدون انفعل بطبيعة الحال بهذه المعاملة الشريفة النبيلة من أميره فانطلق قلمه في مدحه بقصيدة أولها:

الدھر -إن أملى- وفصيح أعجم ... يعطى اعتباري ما جهلت فأعلم [1]

وسنذكر القصة بتمامها في ترجمة ابن زيدون.

حزن المعتمد بوفاة ابن زيدون حزنًا عميقًا كما ولّى ابنه منصب أبيه في الوزارة.

وكان الفونس السادس قد عظمت سطوته فاستولى على كثير من الولايات وأرسل رسوله إلى المعتمد وقد أساء رسول الفونس إلى المعتمد في خطابه فغضب المعتمد وضرب رأسه بمحبرة كانت أمامه فأنزل دماغه في حلقه وأمر به منكوسًا بقرطبة وأرسل هو وباقي الأمراء إلى يوسف بن تاشفين ملك المرابطين بالمغرب ليستنجد به ولما راجعه بعض أبنائه، خوفه من بأس المرابطين، قال إنه في هذا الموقف يشبه المستجير من الرمضاء بالنار أجاب بقولته المشهورة"أي بنيّ والله لا يسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر، ولا تركتها للمسيحيين فتقوم عليّ اللعنة على منابر الإسلام مثلما قامت على غيري، تالله إنني لأوثر أن أرعى الجمال لسلطان مراكش على أن أغدو تابعًا لملك المسيحيين وأن أودّي له الجزية إن رعي الجمال خير من رعي الخنازير" [2] .

ولقد أنجده يوسف بن تاشفين وصد الفونس عنه، ولكنه تطورت الظروف بعد ذلك حتى استولى القائد المرابط سير بن أبي بكر على إشبيلية سنة 484ھ/1091 م وخلع المعتمد وبعث به وبأسرته منفيين إلى أغمات [3] وبذلك انتهت دولة بني عباد بإشبيلية (سنة 484 ھ-1091 م) وتوفي المعتمد في السجن بإغمات سنة 488ھ [4] - 1095 م.

(1) مقطوعة من الحساد ومقطوعة للمعتمد وقصيدة ابن زيدون هذه كلها موجودة في ديوان ابن زيدون (تحقيق: علي عبد العظيم) ، ص 306 - 321

(2) ابن زيدون (علي عبد العظيم) ، ص 43 نقلًا عن الروض المعطار، ص 85

(3) قال ابن أدهم في كتابه"المعتمد بن عباد"، ص 291 أن أغمات كانت كبرى مدن الإقليم قبل إنشاء مدينة مراكش سنة 454ھ ويقول عنها الدكتور عبد الوهاب عزام في كتابه"القيم عن المعتمد"، ص 59 وهي اليوم مزارع بستانين واسعة كثيرة الثمار وعذبة المياه ورافة الظلال.

(4) توفي المعتمد سنة 488 ه كما صرح به ابن خلكان في وفيات الأعيان (تحقيق: الأستاذ محمد محيي الدين) ، 4/ 128 وذكر علي عبد العظيم سنة 484 ه (ابن زيدون، ص 43) وهذا غير صحيح فإنها سنة سقوط دولة بني عباد ونفي المعتمد إلى أغبات وليس سنة الوفاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت