الهمّازون المشاءون بنميم، والوشاة الذين لا يلبثون أن يصدعوا العصا والوشاة الذين لا يتركون أديمًا والسعاة الذين ذكرهم الأحنف بن قيس فقال: ماظنك بقوم الصدق محمود إلا منهم"."
ثالثًا: كان يحز في نفس الشاعر أن يجد الملوك تترضاه لكي تكسبه عندها وهو يقدم أخلص الوفاء لابن جهور لا يغيره قدر ما يستحق بل ويقدم عليه من هو دونه في الوفاء والموهبة وهو يقول:
أ تحيا أنفس الآمالِ فيكم ... ولي أثناءها أمل قتيل؟
وقِدحي في ودادِكم معلّى ... وباعي في اعتمادكم طويل [1]
وكائن لي ثناء راحَ يثنِي ... إليه العطف مجدكم الأثيلُ [2]
تنافسه الرياضُ منوّرات ... تنفّس عن نوافجها الأصيل [3]
رابعًا: بالغ الشاعر في الاعتزاز بنفسه مبالغة خرجت به إلى العجب والتيه ولا شك أن الحكام يتضايقون من كل من ينافسهم في العلو والمجد. وقد كان ابن زيدون عظيمًا في نفسه طموحًا ولم تفارقه عظمته حتى في سجنه فهو يقول:
لعمر الليالي إن يكن طال نزعها لقد فرطت بالنبل في موضع النبل [4]
تحلت بآدابي وإن مآربي لسانحة في عرض أمنية عطل
ولو أنني أسطيع كي أرضي العداشريتُ ببعض الحلم حظًا في الجهل
جواد إذا استن الجهاد إلى مدى تمطّر فاستولى على أمدِ الخصل [5]
ثوى صافنًا في مربط الهون يشتكي بتصهالِه ما ناله من أذى الشكل [6]
خامسًا: كان الشاعر والأمير في طباعهما على طرفي نقيض فكان من الطبيعي أن تتصادم الطبيعتان المتنافران، ومظاهر التنافر هي:
أ كان الأمير متواضعًا وكان الشاعر مغرورًا"ذهب بينهما العجب كل مذهب وهون عنده كل مطلب".
(1) القدح: السهم. المغلي: أوفر الأسهم نصيبًا في الميسر.
(2) كائن بمعني كم الخبرية، العطف: الجانب الأثيل: الأصيل
(3) النافجة: وعاء المسك، الديوان، ص 332 - 333
(4) عمر الليالي: حق الليالي، النزع: جذب وتر القوس. فرطت أصابت. النيل السهام: النبل الفضل والمروءة.
(5) استنت الجياد: تسابقت، الخصل: الهدف
(6) صافنًا قائمًا على ثلاث والرابعة على طرف الحافر. الهون: الذل، الشك: القيد، الديوان، ص 263 - 267