من البديهي أن مثل هذا الشعب الذي تدهورت أخلاقه وتصرفاته إلى هذا الحد لا يستطيع أن يؤلف من رجاله جيش قوي مكافح.
ولذلك دخل القوط أسبانيا واستولوا عليها بكل سهولة وخضعت لهم الحضارة الرومانية المريضة دون أن تمدّ للدفاع كفًا.
وبقي القوط بأسبانيا أكثر من مئتي سنة إلى أن فتحها العرب فكان للقوط متسع من الوقت لإصلاح ما فسد من شؤون البلاد، وبعث روح جديدة في الشباب وكان عليهم أن يستفيدوا من مدنية الرومان ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث بل جعل القوط - وكانوا فيما يزعمون نصارى- من أعمالهم الدينية ذرائع لغفران ما يجترحون من ذنوب وآثام وأعدوا لكل إثم نوعًا من التوبة، واقترفوا الذنب ليتوبوا منه من جديد دون أن يجدوا لذلك في صدورهم حرجًا.
وخلاصة القول أنهم لم يكونوا أقل من أشراف الرومان الذين سبقوهم عادة وسوء خلق ولم تدفعهم النصرانية إلى شيء من الخير والإصلاح فكانت حال أحلاس الأرض الملازمين خدمتها أسوأ مما كانت في عهد الرومان. لأنهم لم يكتفوا بإلزامهم خدمة الأرض بذاتها أو سيد بعينه بل حتموا عليهم ألا يتزوجوا إلا برضا السيد وأنهم إذا أظهروا من ضيعة مجاورة قسمت ذريتهم بين صاحبي الضيعتين. وحملت الطبقة الوسطى - كما كانت الحال في حكم الرومان - عبء الضرائب فحصل من جراء ذلك خراب هذه الطبقة وإفلاسها. ولم تكن الأراضي إلا ملكًا لبعض الأغنياء الأرستقراطيين يقوم على خدمتها وزراعتها العبيد البائسون الذين ليس لهم أمل في الانتعاش من كبوتهم أو حلم في الخلاص من بؤسهم حتى بدأ رجال الدين الذين كانوا يخطبون ويشيدون بالرابطة المسيحية بدأوا أن يعاملوا عبيدهم معاملة قاسية بعد أن حصلوا على الأراضي الواسعة، تمامًا كما كان يفعل أثرياء الرومان.
ولم ينس أغنياء القوط الترف والجري وراء الشهوات"فغرقوا في صنوف من النعيم أفقدتهم الحس، نافسوا الوثنيين في الفجور، فضجوا عليهم حتى أدركهم ذلك السبات الذي أطاح بدولة الرومان".
وقال أستانلي لين بول نقلًا عن"بعض المؤرخين"أن الملك"غيطشة"علّم أسبانيا كيف تقترف الآثام ولكن الحقيقة أن أسبانيا كانت قد تعلّمت اقتراف الآثام وارتكاب الجرائم قبل الملك بزمان طويل وهذا الملك لم يكن الوحيد من الملوك الذين غرقوا في الترف والملذات. وسببوا الفساد والتدهور الخلقي في البلاد.
هكذا كانت أسبانياحينما اقترب زمان الفتح الإسلامي لها.
والذي يدرس هذه الحالة يخرج بنتيجة ربما كانت واضحة ولكنها هامة، هي نفس الحكمة والحقيقة التي نطق بها لسان الشاعر العظيم والفيلسوف الإسلامي ''محمد اقبال'' حيث يقول: