النقطة إذ يقول إذًا كيف يتشفع ولي العهد لابن زيدون عند أبيه بل وجوه قرطبة سيرهم ابن زيدون وليتشفعوا له وهل كان يجرؤ أحد على الاستشفاع بهذا الموضوع إذ سوف يكون موضع شبهة لدى الأمير. وأقول الذي يتمسك الأستاذ عبد العظيم به أنه وجد أشعارًا لابن زيدون تبين أنه كان يطمع في الولاية والحكم وأنا أقول إن مفهوم هذه الأشعار لا يتعدى الأمنية دون التنفيذ والشعراء لايؤخذون بما يقولون وإلا فإن الشاعر كان يتغنى بالخمر وشربها وأبو الحزم قد أراق جميع الدنان في قرطبة ومنعها فهل جلد ابن زيدون ثمانين جلدة على قوله.
وأما رأي الأستاذ جاد في سبب سجنه من أن الوشاة والحساد هم الذين وشوا عليه لابن جهور. وقد اعتمد هذا السبب لعاملين. الأول أن ابن زيدون اصطدم مع كبار الدولة ووزرائها بسبب حب ولادة والثاني نفسية ابن زيدون الكبيرة التي كانت توجد للرماة هدفا لهم.
وأقول أيضًا أن سبب الأستاذ جاد لا يقوى أن يكون سببًا في إدخال الشاعر السجن المطلق وأنا أنقضه بسببين.
الأول: عرف عن أبي الحزم بن جهورالصلاح والتقوى وزيادة الحرص وكسر دنان الخمر وأهم ماعرف عنه الحزم في الأمور والمعروف أن الحازم لا يبين حزمه إلا بعد أن يأخذ بأسبابه وأسباب الحزم التحرى والدقة في البحث حتى إذا عرف أنه لم يبق لأحد عذر كان حزمه وعزمه ولسان حاله القول المأثور"'وقد أعذر من أنذر"فلا يعقل أن يرمي ابن جهور بوزيره وصفيه بالسجن سجنًا مطلقًا دون أن يكون نبه الأمير وزيره ولما يرعوي ضرب ضربة الحازم. ولو كان الأمير أبدى أي استفهام أو إنذار إلى الشاعر لوضح له الشاعر الحقيقة أو لارتدع لأنه كان محبًا للدولة الجهورية - كما هو مأثور عنه.
ثانيًا: لقد كان لابن زيدون مرتبة عالية في الدولة الجهورية وبمقدار ماكان له من أعداء وحساد أساؤوا فهم الشاعر فكادوه وحاسدوه وكان له أيضًا محبون وأصفياء على نفس المستوى زيادة على ما أثر عن الشاعر من أنه كن أثيرًا لدى الشعب لكرم نفسه وطيب عرفه كما مرّ معنا. ووكذا أرسل الشاعر وسطاء كثيرين لابن جهور لكي يشفعوا له عنده. فلو كان سجن الشاعر لقول واشٍ لوضّح الوسطاء الحقيقة للأمير فما أزالوا تلك الغشاوة بين الأمير ووزيره وسفيره وشاعره، ولعادت الأمور إلى ما كانت عليه ويكفي أن ولي العهد الرجل الثاني في الدولة الجهورية كان من أولئك الوسطاء إذن لا بد من القول مرة بعد مرة أي ذنب أذنبه الشاعر مع أبي الحزم حتى ضربه ضربة حازم عازم. هذه هي الحقيقة التي أتيناها قبل الجواب على هذا السؤال هي أولًا جميع الأدلة والشكوك التي وردتنا عن طرق شعر ابن زيدون تعتبر في نظري - لاغية ولا تصلح أن تكون أدلة للإثبات، لماذا؟ لأن المعروف عن الشعر أنه تعبير عن الأحساس والوجدان والعاطفة النابعة من القلب وليس تعبيرًا عن الأفكار والأسرار والمبادئ