ثم قال: (هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود و النصارى تحاجّوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لم يعلموا به، فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم برد مالا علم لهم به إلى عالم الغيب و الشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها [1] .
ثم قال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) نتيجة للاستدلال إذ قد تحصحص من الحجة الماضية أن اليهودية و النصرانية غير الحنيفية، وأن موسى و عيسى عليهما السلام لم يخبرا بأنهما على الحنيفية، فأنتج أن إبراهيم لم يكن على حال اليهودية أو النصرانية، (وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أفاد الاستدراك بعد نفي الضد حصرا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام، ولذلك بُيّن حنيفا بقوله: مسلما لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام، فأعلمهم أن الإسلام هو الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام، (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فنفي عن إبراهيم موافقة اليهودية، وموافقة النصرانية، وموافقة المشركين، وإنه كان مسلما، فثبت موافقته للإسلام [2] .
قال تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) أي: إن أخصهم به و أقربهم للذين اتبعوا ملته و اقتدوا بدينه، (وَهَذَا النَّبِيُّ) يعني: محمد صلى الله عليه وسلم، أفرده بالذكر تعظيما له و تشريفا، وأولويته صلى الله عليه وسلم بإبراهيم من جهة كونه من ذريته، ومن جهة موافقته لدينه في كثير
(1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 2/ 57، 58 ... .
(2) ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 3/ 274، 275 ... .