عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) أي قال الخضر شارطا على موسى: إن سرت معي، فلا تسألني عن أمر يحدث حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني [1]
قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) أي: انطلق موسى وصاحبه مع الخضر، يمشيان على ساحل البحر، يطلبان سفينة، فاقتلع الخضر منها لوحا، وكان له مقصود من ذلك سيبينه، فلم يصبر موسى عليه السلام، لأن ظاهره منكر، عيب للسفينة و سبب لغرق أهلها، ولهذا قال موسى: (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) أي: عظيما شنيعا، وهذا من عدم صبره عليه السلام، فقال له الخضر: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) أي: وقع كما أخبرتك، وكان هذا من موسى نسيانا، (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) أي: لا تعسر علي الأمر، واسمح لي، فإن ذلك وقع على وجه النسيان، فلا تؤاخذني في أول مرة.
(فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ) صغيرا، (فقتله) الخضر، فاشتد بموسى الغضب، (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) أي: جئت شيئا أنكر من الأول، لأن الأول كان خرقا يمكن تداركه بالسد، ولكن القتل لا سبيل إلى المداركة.
(قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) زيادة لك للمكافحة بالعتاب على رفض الوصية. (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا) أي فقال له موسى: إن سألتك بعد هذه المرة (فَلَا تُصَاحِبْنِي) أي: فأنت معذور بذلك، وبترك صحبتي، (قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا) أي: أعذرت مني.
(1) الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة و الشريعة و المنهج، صـ 294.