الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [1] تعريض [2] لإنذاره على التكذيب قبل حصوله منه ليبلغ الرسالة على أتم وجه قبل ظهور رأي فرعون في ذلك حتى لا يجابهه بعد ظهور رأيه بتصريح توجيه الإنذار إليه , وهذا من أسلوب القول اللين الذي أمرهما الله به [3] .
وأخيرا فقد استعمل القرآن الكريم كثير من الأساليب البلاغية لمجادلة خصومه , فالبعض ذكرته والبعض لم أذكره لضيق المقام ...
أولا: المنهج القرآني.
لم يسلك القرآن في جدله طريق المتكلمين لأنه جاء بلسان عربي مبين بعيدًا عن المصطلحات المنطقية المعقدة الجافة.
إن طرق الجدل القرآني و استدلالاته أعلى من المنطق في دقته، و يمتاز بالحيوية و المرونة ولا يخاطب العقل فقط بل يتعدى إلى مخاطبة الحس و الوجدان، ولم تتقيد أساليب القرآن بأساليب المناطقة، ولا بأشكال أدلتهم، ففي القرآن التقديم و التأخير، و الإيجاز و الإطناب تبعا لروعة البيان و نسقه و جماله، و ليس تبعا لأشكال البرهان، فكان المثل الأعلى الذى لا يستطيع أن يجاريه الخطباء [4] . و يقول فخر الرازي في آخر عمره: لقد تأملت الطرق الكلامية و المناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
(1) سورة طه , الآية: 48.
(2) ابن عاشور , محمد الطاهر , تفسير التحرير و التنوير , د , ط (تونس: الدار التونسية للنشر , د , ت) 16/ 229, 230 , وينظر: لاشين , عبد الفتاح , البديع في ضوء أساليب القرآن , صـ 125.
(3) ابن عاشور , تفسير التحرير و التنوير , 16/ 229, 230 , وينظر: لاشين , عبد الفتاح , البديع في ضوء أساليب القرآن , صـ 125.
(4) أبو زهرة , المعجزة الكبرى القرآن , صـ 411.