عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [1] .
وبين السيوطي وجه الاستدلال فقال: إن الكفار لما حرموا ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى رد الله تعالى ذلك عليهم بطريقة السبر والتقسيم , فقال: إن الخلق لله تعالى , خلق من كل زوج مما ذكر ذكرا و أنثى، فما جاء به تحريم ما ذكرتم، أي علته لا يخلو إما أن يكون من جهة الذكورة، أو الأنوثة أو اشتمال الرحم الشامل لهما، أو لا يدرى له علة، و هو التعبدي بأن يأخذ ذلك عن الله تعالى، و الأخذ عن الله تعالى، إما بوحي أو إرسال رسول، أو سماع كلامه، و مشاهدة تلقي ذلك عنه، وهو معنى قوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا) ، فهذه وجوه التحريم، ثم لا تخرج عن واحد منها، والأول يلزم عليه أن يكون جميع الذكور حراما، والثاني يلزم عليه أن تكون جميع الإناث حراما، و الثالث يلزم عليه تحريم الصنفين معا، فبطل ما فعلوه من تحريم بعض في حالة، و بعض في حالة، لأن العلة على ما ذكر تقتضي إطلاق التحريم، ولأخذ عن الله بلا واسطة باطل، ولم يدعوه، و بواسطه رسول كذلك، لأنه لم يأتي إليهم رسول قبل النبي صلى الله عليه و سلم، إذا بطل جميع ذلك، ثبت المدعي و هو أن ما قالوه افتراء على الله تعالى و ضلال [2] .
قد ضرب الله تعالى الأمثال للناس لتقريب المراد وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن السامع , وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به فقد يكون أقرب إلى فهمه
(1) سورة الأنعام , الآيتان: 143 , 144.
(2) السيوطي، أبو الفضل جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر , الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: مركز الدراسات القرآنية , ط 1 (مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف , 1426 هـ) , 1/ صـ 1959 , 1960.