-أما الذين تناولوا الجدل كعلم له آداب وضوابط - كابن خلدون في المقدمة - فيرى أن الجدل هو معرفة آداب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم، فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعًا، كل واحد من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج، ومنه ما يكون صوابًا، ومنه ما يكون خطأ، فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكامًا يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول وكيف يكون حال المستدل والمجيب، وحيث يسوغ له أن يكون مستدلًا وكيف يكون مخصومًا منقطعًا، ومحل اعتراضه أو معارضته، وأين يجب عليه السكوت ولخصمه الكلام والاستدلال [1] ، وعرفه أيضًا بأنه معرفة بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي أو هدمه، كان ذلك الرأي من الفقه أو غيره [2] .
أولًا: الجدل والحوار.
1 -كلمة"الجدل"أوسع مساحة في حديث القرآن وأسلوبه من كلمة"الحوار"، فقد أخذ"الجدل"مدلولًا جديدًا يوحي بالطريقة التي يتبعها المتناظران أو المتجادلان، ليفرقا حديثهما أو مناظرتهما بالكلام العقيم، الذي قد يقترب إلى الترف الذهني .. بما يثيره من قضايا جانبية أو مناقشات لفظية، تخضع الفكرة إلى متاهات لا يعرف الإنسان كيف ينتهي، وأين يستقر؟
ولعل السبب في ذلك، هو أن"الجدل"تحول إلى صناعة يقصدها الكثيرون لذاتها، من أجل التدرب على الأخذ والرد والهجوم والدفاع في مجالات الصراع الفكري ... ليعطل قوة خصمه، لا ليوصله إلى الحقيقة أو ليصل معه إلى قناعة.
(1) ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، تحقيق: دويش الجويدي، ط 2 (صيدا - بيروت: المكتبة المصرية للطباعة والنشر،1416 هـ 1996 م) ,5/ 428.
(2) ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون , 5/ 428.